طه الجند.. شاعر اللاتصنيفات ومغني الروح

الثلاثاء, 14 أبريل, 2026

هو واحد من أبرز شعراء جيل التسعينات في اليمن، وصوت شعري متفرد لم يكتفِ بتسجيل انفعالات اللحظة، بل شكل ملامحها وأسس لتيارٍ شعريٍّ مغاير.
كذلك هو ليس مجرد شاعر يكتب، بل يعيش القصيدة، يسكنها وتسكنه، يقاوم بها، يغني، ويهش الهواشي في دروب الحزن والحنين.
شاعر لا تلتقطه التصنيفات، لأنه أوسع من الأطر الضيقة، أوسع من الطائفة والانتماء، بل إنه ابن اليمن الكبير، بكل هضابه ووديانه وناسِه الطيبين.

ولد طه الجند في قرية الجند، بني مسلم، وصاب ، ذمار، وكان من أوائل خريجي معهد المعلمين بنظام الخمس سنوات.
ثم واصل دراسته بجامعة صنعاء. يعمل حاليا موجها في وزارة التربية والتعليم.
عُرف بحبه للمعلمين والفقراء والمهمشين، وظل منحازا دوما للإنسان في قصيدته، يرفض كل أشكال الطغيان، ويغني للحياة حين يضيق الحال. كما قال:
"أغني إذا ضاق حالي / أغني وأمشي مخالف تلك القرى / وتطيب الليالي".
طفولته تشبه القصيدة الأولى في ديوان شاعر شعبي. أرسلته أمه في السابعة من عمره مع محمد الزبير إلى مدينة تعز مشيا على الأقدام مرورا بالجراحي.
ولم يكن يعرف السيارات ولا الكهرباء، فسأل محمد الزبير بدهشة الطفل: "ما هذا؟" وكانت تلك أول مرة يرى فيها الفول والروتي، أول مرة يستقل "بابورا" محملا بعبوات البيبسي، وأول مرة ينام في مدينة تعز، يشتاق وجه أمه وقريته، ويتكون داخله الحنين الذي سيصبح بعد سنوات موسيقى للقصيدة.
وطه الجند لم يكن شاعرا صامتا. كان ثائرا بالكلمة، ساخرا بعمق، ومغنيا حين يحزن.
مواقفه الوطنية لا تقل شعرية عن قصائده. كان وما يزال مدافعا شرسا عن مشروع "اليمن الاتحادي" بمرجعية ثورتي 26 سبتمبر و14 أكتوبر، ويؤمن بوطن كبير يحمي اليمنيين من التمزق والطغيان، ويعري زيف المشاريع الضيقة، الطائفية والسلالية.
وفي قصائده، نجد الجبال، والمواسم، والغيول، والنسيم، ونجد الحب والناس والدروب، ونجد طه نفسه، ذلك الفتى الذي عرف العناء مبكرا واحتضنه الشعر. وكما قال:
"أغني نعم يا رفاقي / لأسامر حزني البعيد / أرمم تلك الدروب / وأهش الهواشي".
طه الجند هو الشاعر الذي قلت عنه: "هو أنبل ما في جيلنا التسعيني"، ووثقه عبد الودود سيف كأكبر شعراء التسعينات في اليمن. وأنا اصغرهم في كتابه الصادر عام 1999م.
عرفه الناس ساخرا ولطيفا، حادا عند اللزوم، وناقدا سياسيا صلبا لا يساوم، مؤمنا بأن "الشعر موقف"، وبأن "الفن لا يُطلب ترخيصه من أحد".
كثيرون يحفظون سطره الشهير:
"إن حزنا قلتم: ليش تنكدوا علينا / وإن فرحنا وحبينا قلتم: ايش من حب ايش من طلي".
عبارة تلخص كيف يعيش الشاعر وسط مجتمعٍ يرى في الفرح رفاهية، وفي الحزن ترفا، ويخشى الحب كما يخشى الثورة.
وطه الجند لم يخرج من رحم المؤسسة، بل خرج من رحم المعاناة، من البسطاء والمزارعين والمعلمين، فكان شاعرهم بحق، وناطقا باسم صمتهم.
وإذ ما زال طه الجند يقاوم، وما دام يفعل، فإن الدنيا لسه بخير.
على أنني أشتاقه كل خميس، في مقيل المحامي الكبير نبيل المحمدي، بعد الساعة السليمانية، حين يعتلي طه الجند منصة الديوان ويقرأ قصائده الجديدة بصوته المسرحي الحزين.
حينها تتسلل كلماته إلى القلب كدمعة حارة، وتغدو القصيدة صلاة، ويصبح الحزن طقسا جماعيا، ونبكي معه. بلا خجل.!
وهكذا.منذ زمن وطه الجند يعلمنا الثبات والتماسك. يعيش الشعر ولايكتبه فقط.اشتاق لصديقي.. كلما ضاقت الحياة أتذكر ضحكة طه الجند المجلجلة. خلف اولادا نجباء ولم يتمترس مع الانتهازيين أو حسب ظروف المرحلة. ظل الشاعر المتفرد الذي يتحدث في اللحظة الفارقة.