تعزيز حضور الدولة كشرط لازم
أتصور أن الدولة ليست كياناً يُستدعى عند الحاجة، ولا فكرةً تُؤجَّل إلى حين اكتمال الشروط، بل هي شرط الشروط الذي بدونه يتبدد المعنى وتتعطل إمكانات الفعل.
وفي السياقات الهشة، كما في الحالة اليمنية، تتخذ الفوضى هيئة بنية موازية، لا تكتفي بإرباك الواقع، بل تعيد إنتاجه على نحو يكرّس غياب الدولة ويمنع تشكّلها.
وعليه، لا يعود السؤال هنا متعلقاً بكيفية تحسين التفاصيل، بقدر ما يرتبط بإعادة تأسيس الإطار الذي يمنح تلك التفاصيل معناها. إذ لا يمكن لأي إصلاح أن يستقيم في بيئة تُدار خارج منطق الدولة، ولا لأي استقرار أن يتحقق دون استعادة فكرتها بوصفها مركز انتظام الحياة العامة.
ولذلك أعتقد ثمة بداهة أولى هنا لا تقبل الجدل: أن الفوضى، أينما نشأت، ليست مجرد حالة عادية من الاضطراب، بل بنية معيقة تُفرغ أي جهد إصلاحي من مضمونه.
وفي عدن، كما في سواها من المحافظات، تتحول الفوضى إلى عامل تقويض مباشر لأي محاولة لتحسين حياة المواطنين، لا سيما حين تُغذّى بخطاب إعلامي متطرف يعيد إنتاجها ويمنحها غطاءً من الشرعية الزائفة.
ولذلك لا تعود المشكلة هنا في اختلال الخدمات بحد ذاته، بل في غياب الإطار الناظم الذي يسمح بانتظامها؛ أي غياب الدولة بوصفها فكرة وممارسة في آن معاً.
ومن هذا المنطلق، المشار إليه أعلاه، تتبدى لي مدى الحاجة إلى موقف يتجاوز التوصيف إلى الفعل، قوامه إدراك أن دعم السلطات المحلية والحكومية - بكل ما يعتريها من قصور - ضرورة وظيفية تفرضها طبيعة المرحلة.
فالدولة، في تصوري، لا تُبنى في الفراغ، ولا تستعيد حضورها عبر النقد المجرد أو التشكيك المستمر، بل عبر تراكم الأفعال التي تعيد وصل ما انقطع بين المؤسسة والمجتمع.
وفي هذا السياق، يغدو الانحياز للاستقرار، ولو في حدوده الدنيا، انحيازاً للعقل السياسي الذي يقدّم "الممكن" على "المثالي"، ويؤسس لما يمكن البناء عليه لاحقاً.
أما الإعلام، الذي يفترض به أن يكون وسيطاً للوعي لا أداة لتبديده، فإن انشغال بعض وسائله بالمهاترات أو الصراعات الهامشية، بل وتضخيم عودة من لا يستطيع العودة إلى واجهة المشهد إلا عبر رسائل صوتية، لا يعكس فقط اختلالاً في الأولويات، بل ويكشف عن أزمة في فهم دوره ذاته.
فالإعلام، في لحظات التحول، لا يُقاس بقدرته على إثارة الضجيج، بل بمدى إسهامه في توجيه الانتباه [نحو ما يفيد الناس] فعلياً، وفي تعزيز حضور الدولة كشرط لازم لأي استقرار.
وعلى هذا الأساس، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط معركة خدمات أو أمن، بل معركة وعي تُعاد فيها صياغة العلاقة بين المواطن والدولة، بوصفها معركة لا مفر من خوضها، مهما بدت معقدة أو طويلة.
في نهاية المطاف كخلاصة يمكنني القول، إن الرهان على تجاوز الفوضى لا يمكن أن يتحقق عبر إنكار الواقع أو القفز فوق تعقيداته، بل من خلال وعي يعيد ترتيب الأولويات على أساس ما يمكن إنجازه فعلاً.
فالدولة، بوصفها إطاراً ناظماً، لا تستعاد دفعة واحدة، بل عبر مسار تراكمي يبدأ بدعم ما هو قائم وتقويم اعوجاجه، لا تقويضه.
وعلى هذا الأساس، فإن الانحياز للاستقرار، وتعزيز حضور المؤسسات، وتصويب دور الإعلام، ليست خيارات تكميلية، بل شروط لازمة لإعادة بناء العلاقة بين المجتمع والدولة.
بعبارة أخرى أدق وأوضح: إنها معركة وعي بقدر ما هي معركة واقع، ولا سبيل لكسبها إلا بإدراك أن البديل عن الدولة ليس سوى اتساع دائرة الفوضى.
