الإمارات والإصلاح.. حين تتحول تهمة “الأخونة” إلى هندسة للفوضى
تبلغ الحرب اليمنية لحظتها الأخطر حين يُعاد تعريف الخصم السياسي بوصفه عدوًا وجوديًا. عندها تتراجع السياسة، ويتقدم الأمن، وتتحول الدولة من مؤسسة جامعة إلى واجهة هشة لشبكات مسلحة وولاءات خارجية. من هذه الزاوية، تكشف مواجهة الإمارات مع حزب الإصلاح عن مشروع أوسع من الخصومة الحزبية أو العداء التقليدي للإخوان المسلمين؛ مشروع يعيد هندسة المجال اليمني وفق قاعدة صارمة: من لا يدخل في ترتيبات أبوظبي يُدفع إلى الهامش، ثم يُشيطن، ثم يُقصى، ثم يُطلب تجريمه.
بدأ المسار من الداخل الإماراتي. فقد انتقلت علاقة أبوظبي مع جماعات الإسلام السياسي، وفي مقدمتها جمعية الإصلاح الإماراتية، من تعايش مشروط إلى معالجة أمنية صارمة. وبعد محاكمات “UAE94”، صار النشاط السياسي السلمي، أو المطالبة بهوامش أوسع للتمثيل والمساءلة، يُقرأ في أبوظبي باعتباره مقدمة لمنازعة السلطة. وانتقدت "هيومن رايتس ووتش" تلك المحاكمات، مشيرة إلى أن جانبًا كبيرًا من أدلة الحكم ركز على النشاط السياسي السلمي والارتباط بجماعة الإصلاح الإماراتية، لا على أفعال عنف مثبتة.
منذ تلك اللحظة، توسعت المشكلة من سؤال العنف إلى سؤال التنظيم. لم تعد أبوظبي تنظر إلى الإسلام السياسي باعتباره منافسًا فكريًا فحسب، بل كتهديد بنيوي قادر على التحول إلى معارضة منظمة. فوجود جمعية أو حزب أو شبكة دعوية ذات قاعدة اجتماعية بدا، في القراءة الأمنية الإماراتية، نواة محتملة لمطالبة سياسية أوسع، تبدأ بالإصلاح والتمثيل، وقد تنتهي بمنازعة السلطة.
منح الربيع العربي هذه الرؤية بعدًا إقليميًا. رأت أبوظبي في صعود الإسلاميين عبر الانتخابات والجمعيات والنقابات والفضاء الدعوي خطرًا قابلًا للانتقال من بلد إلى آخر. لذلك اتسع مفهوم “مكافحة الإرهاب” من مواجهة التنظيمات العنيفة إلى منع تشكل قوى سياسية منظمة تستطيع مخاطبة الشارع أو منافسة الأنظمة الحليفة. تحولت مكافحة الإرهاب، في التطبيق السياسي، من وظيفة أمنية إلى أداة لإعادة ترتيب السياسة.
في اليمن، اصطدمت هذه القراءة بتركيبة لا تختزلها لافتة “الإخوان”. فالإصلاح ليس فرعًا أيديولوجيًا صافيًا، ولا حزبًا مدنيًا مكتمل البنية، ولا كتلة قبلية خالصة. إنه مزيج يمني خاص: إسلاميون، قبائل، شبكات اجتماعية، امتدادات عسكرية، شخصيات تجارية، وقيادات نشأت داخل المجال السياسي الذي بناه علي عبدالله صالح. لذلك ظل الحزب، منذ تأسيسه عام 1990، يتحرك بين السلطة والمعارضة، بين التحالف مع المؤتمر الشعبي العام ومخاصمته، وبين خطاب الدولة وخطاب الجماعة.
تؤكد دراسة كارنيغي هذه الطبيعة المركبة؛ إذ تصف الإصلاح كحزب يعاني ضعف الوحدة الأيديولوجية والبرنامجية، وتشير إلى أنه كان حليفًا للمؤتمر الشعبي العام بين 1990 و1997، وشارك في الحكومة الائتلافية بين 1994 و1997، قبل انتقاله التدريجي إلى المعارضة. كما يضم الحزب، بحسب الدراسة، عناصر قبلية وإخوانية وسلفية، وهو ما يجعل اختزاله في مكوّن واحد قراءة ناقصة سياسيًا ومنهجيًا.
هذا التعقيد اليمني لم يدخل بجدية في الحساب الإماراتي. فقد منح اختزال الإصلاح في “الإخوان” أبوظبي أداة سهلة: كل ما يقترب من الإصلاح، أو يدافع عن الشرعية، أو يرفض تمدد المجلس الانتقالي، يمكن إدراجه في خانة “الأخونة”. وهكذا تحولت الصفة إلى سلاح. لم تعد تصف تيارًا بعينه، بل أصبحت رخصة للإقصاء.
مثّل سقوط صنعاء عام 2014 لحظة سوء تقدير كبرى. راهنت أطراف داخلية وخارجية على أن تقدم الحوثيين سيكسر مراكز الإصلاح، ويعيد ترتيب موازين القوة في العاصمة، ثم يترك مجالًا لتسوية قابلة للإدارة. لكن الحوثي أثبت أنه فاعل مستقل بمشروع سلطوي مسلح، لا أداة مؤقتة قابلة للضبط. لم يكتفِ بإضعاف خصومه، بل ابتلع مركز الدولة، وفرض على اليمن والمنطقة حربًا طويلة لم تنتهِ آثارها.
في الجنوب، تحولت معادلة الإقصاء إلى بنية أمنية موازية. دعمت الإمارات تشكيلات محلية مسلحة، أبرزها الحزام الأمني وقوات النخب، وربطت حضورها بخطاب مكافحة القاعدة وداعش. غير أن هذه المقاربة أنتجت سلطة أمنية تعمل خارج السلسلة المؤسسية للحكومة، وتفتح المجال أمام الاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، والسجون غير القانونية، وملاحقة الخصوم السياسيين تحت عنوان أمني فضفاض.
وثقت منظمات حقوقية هذا المسار بوضوح. قالت "هيومن رايتس ووتش" في 2017 إن الإمارات تموّل وتسلّح وتدرّب قوات يمنية تورطت في اعتقالات تعسفية وإخفاء قسري وتعذيب خلال عمليات أمنية يفترض أنها موجهة ضد القاعدة وداعش. وذهبت منظمة العفو الدولية في 2018 إلى أن قوات يمنية مدعومة إماراتيًا، إضافة إلى قوات إماراتية عاملة في الجنوب، نفذت اعتقالات تعسفية وإخفاء قسريًا وتعذيبًا، غالبًا تحت ذريعة “مكافحة الإرهاب".
السجون السرية في الجنوب ليست تفصيلًا جانبيًا في حرب اليمن. إنها عنوان لانفصال الأمن عن الدولة. وحين تعمل القوة الأمنية خارج السلسلة المؤسسية للحكومة، تصبح المحاسبة شبه مستحيلة: الأهالي لا يعرفون أين أبناؤهم، والقضاء لا يملك سلطة فعلية، والحكومة لا تستطيع أن تقول إنها تحكم المناطق التي ترفع اسمها. في هذا الفراغ، نمت الملاحقات، وعمليات الإخفاء، وصناعة الخوف.
في عدن ولحج والضالع، صعدت موجة اغتيالات طالت خطباء وأئمة وقيادات وشخصيات قريبة من الإصلاح. تتفاوت هذه الوقائع بين ما وثقته منظمات دولية، وما رصدته قواعد بيانات النزاع، وما كشفته تحقيقات صحفية، وما ينتظر تحقيقًا قضائيًا مستقلًا. لكن النمط العام واضح: عنف سياسي نشأ في ظل سلطة متنازعة، وتشكيلات ممولة خارجيًا، وخطاب يستبيح الخصم باسم “الأخونة”.
رصدت "ACLED" منذ 1 يناير 2016 وحتى أواخر 2018 ما مجموعه 53 عملية اغتيال أو محاولة اغتيال استهدفت رجال دين وقيادات مرتبطة بالإصلاح في عدن ولحج والضالع، وأسفرت عن 32 قتيلًا. لا تكفي هذه الأرقام وحدها لإصدار حكم قضائي على جهة بعينها، لكنها تكفي لكشف نمط سياسي وأمني يحتاج تحقيقًا مستقلًا، خصوصًا في ظل صعود التشكيلات المدعومة إماراتيًا وتراجع سلطة الدولة.
تذهب بعض الملفات إلى ما هو أبعد من الاغتيال المحلي. ففي 2026، كشفت وكالة أسوشيتد برس عن دعوى رفعها البرلماني اليمني إنصاف علي مايو في محكمة أمريكية، يتهم فيها عسكريين أمريكيين سابقين بالعمل كمرتزقة ضمن محاولة اغتيال مزعومة عام 2015 قال إنها كانت ممولة من الإمارات. الإمارات تنفي استهداف خصوم سياسيين، وتضع دورها في اليمن ضمن سياق مكافحة الإرهاب. غير أن وصول هذا الملف إلى القضاء الأمريكي يفتح بابًا لا يمكن إغلاقه بالشعارات.
تحولت تهمة “الأخونة” من توصيف سياسي إلى آلية إقصاء. من يعارض المجلس الانتقالي يُدفع إلى خانة الإخوان. من ينتقد الإمارات يُلحق بالمعسكر نفسه. من يدافع عن بقاء الدولة والشرعية في عدن يُقدَّم كجزء من مشروع معادٍ. ومن يقاتل تحت مظلة الجيش الوطني في مأرب أو تعز يمكن تصويره كامتداد حزبي للإصلاح، حتى حين تكون بنيته العسكرية والاجتماعية أوسع من الحزب بكثير.
تقدم أبوظبي سرديتها من بوابة مكافحة الإرهاب، وتقول إنها دعمت قوى محلية لمواجهة القاعدة وداعش والحوثيين. لهذه السردية جزء من السياق، لكنها تعجز عن تفسير كل السلوك الإماراتي في اليمن. ففي أغسطس 2019، استهدفت الإمارات قوات الحكومة اليمنية في عدن وأبين دعمًا للانفصاليين الجنوبيين، وفق رويترز، بينما قالت أبوظبي إنها ضربت “تنظيمات إرهابية”. دلالة اللحظة تجاوزت التبرير الأمني: طرف في التحالف قصف قوات الحكومة التي يفترض أن التحالف جاء لدعمها.
في تلك اللحظة، سقطت معادلة “استعادة الدولة” أمام معادلة التحكم بمن يملك الدولة. فالحرب التي بدأت بعنوان مواجهة الحوثي تحولت، في الجنوب، إلى صراع داخل معسكر الشرعية نفسه. الحكومة المعترف بها دوليًا وجدت نفسها أمام قوات مدعومة من شريك في التحالف، فيما كانت أبوظبي تعيد تعريف خصومها المحليين كتهديدات أمنية لا كخصوم سياسيين.
أعلن المجلس الانتقالي جوهر المعركة بلا مواربة. ففي ذروة أحداث 2019، نقلت رويترز عن قيادي في المجلس قوله إن إخراج الإصلاح من الجنوب سيكون “بداية جيدة”، معتبرًا أن الحكومة “مخترقة أو مسيطر عليها” من الإصلاح. بهذا المعنى، لم تكن “الأخونة” توصيفًا إعلاميًا عابرًا، بل شرطًا سياسيًا لإعادة تشكيل الحكم في الجنوب.
واجه الإصلاح هذا المسار بكثير من الارتباك. حاول تطمين أبوظبي بدل محاسبتها، وراهن على التهدئة بدل بناء ملف قانوني، وتجنب تسمية الانتهاكات بأسمائها كي لا يصطدم بالسعودية أو يفتح جبهة إقليمية إضافية. لكن السياسة لا تكافئ الصمت دائمًا. في هذه الحالة، قرأ خصوم الإصلاح صمته كضعف، وتولوا صياغة صورته أمام الخارج.
زاد الإصلاح ارتباكه حين وقف في الأزمة الخليجية إلى جانب المحور السعودي–الإماراتي ضد قطر. دفع ثمنًا مزدوجًا: خسر هامشًا إقليميًا محتملًا، ولم يكسب ثقة الإمارات. وهذه واحدة من مشكلات الحزب المزمنة: أنه يراهن كثيرًا على تهدئة خصوم لا يرون في التهدئة إلا فرصة إضافية للضغط. وحين لا يدافع الحزب عن روايته، يتولى خصومه كتابتها عنه.
توسعت المعركة من استهداف الإصلاح إلى إعادة تشكيل الشرعية ذاتها. مُنعت الحكومة من العودة الفعلية إلى عدن، وتآكل حضورها المؤسسي، وتحول المجلس الانتقالي إلى شريك داخل السلطة وخصم لها في الوقت نفسه. هذه الازدواجية ضربت فكرة الدولة من أصلها: حكومة معترف بها دوليًا لا تملك عاصمتها المؤقتة، ومجلس رئاسي يحمل اسم الشرعية بينما تتنازع داخله قوى مختلفة على تعريف الشرعية وحدودها.
خفّض الانسحاب العسكري الإماراتي الواجهة، لكنه أبقى الشبكات. فالقوات قد تغادر، لكن التمويل والتدريب والإعلام والصلات الأمنية والنفوذ عبر الوكلاء تظل قادرة على إنتاج الأثر نفسه بأدوات أقل ظهورًا. في اليمن، بدا الحضور الإماراتي بعد الانسحاب أقل مباشرة، لكنه لم يصبح أقل تأثيرًا. وتشير "رويترز" إلى أن الإمارات أعلنت سحب قواتها من اليمن عام 2019، لكنها حافظت على نفوذها عبر المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي دربته وجهزته، وترى فيه حاجزًا ضد الإصلاح وشريكًا في تأمين الوصول البحري.
تفاقم هذا التداخل في نهاية 2025 وبداية 2026، حين بلغ التوتر السعودي–الإماراتي في الجنوب مستوى علنيًا نادرًا. فقد تحدثت تقارير "رويترز" عن تصعيد مرتبط بتحركات المجلس الانتقالي المدعوم إماراتيًا في الجنوب والشرق، وعن ضغط سعودي على القوات الإماراتية في اليمن، بما يكشف أن الخلاف لم يعد خلافًا صامتًا داخل التحالف، بل صراعًا على أدوات النفوذ ومواقع القرار.
بعدما تعثّر الاستئصال الأمني والعسكري، انتقلت المعركة إلى بوابة التصنيف السياسي. لم يعد المطلوب إضعاف الإصلاح داخل اليمن فقط، بل نقله إلى خانة الاشتباه الدولي. وهذه هي اللحظة الأخطر: حين تُستخدم أدوات مكافحة الإرهاب لتصفية حسابات النفوذ داخل معسكر يفترض أنه يواجه الحوثيين.
تحدثت تقارير صحفية في أبريل 2026 عن مراجعات أمريكية محتملة لتصنيف الإصلاح أو كيانات مرتبطة به، وسط إشارات إلى ضغط مرتبط بالإمارات. يظل الملف، حتى الآن، في مستوى التقارير والمراجعات لا في مستوى القرار النهائي المعلن. غير أن خطورته تكمن في اتجاهه السياسي: تحويل مكون من مكونات الشرعية إلى موضوع تجريم دولي، لا إلى طرف سياسي قابل للمساءلة والنقد.
سيضع تصنيف الإصلاح السعودية في قلب المأزق. فهي راعية الشرعية، وأكبر داعمي الحكومة اليمنية المعترف بها. فإذا صُوّر أحد أكبر مكونات هذه الشرعية كتنظيم إرهابي، فإن السؤال سيرتد إلى الرياض نفسها: ماذا كانت ترعى؟ ومن كانت تدعم؟ وبأي معنى يمكن لحكومة تضم مكونًا مصنفًا إرهابيًا أن تبقى عنوانًا لاستعادة الدولة؟
المفارقة أن واشنطن نفسها أعادت في 2025 فتح مسار تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية، مستندة إلى سيطرتهم بالقوة على المراكز السكانية منذ 2014–2015، وهجماتهم على السفن والمصالح الإقليمية والدولية، ثم أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في مارس 2025 تصنيف أنصار الله منظمة إرهابية أجنبية. فإذا كان الحوثي، وهو قوة مسلحة انقلابية، يبقى رغم ذلك طرفًا في حسابات التهدئة والوساطة بحكم سيطرته الواقعية، فإن تجريم حزب يعمل داخل الشرعية سيكشف تناقضًا سياسيًا صارخًا: التسوية مع من يحمل السلاح على الدولة، والتجريم لمن يعمل تحت مظلتها.
يتحمل الإصلاح بدوره كلفة تركيبته الملتبسة وسوء إدارته لمعركته السياسية والقانونية. فقد ظل طويلًا عالقًا بين الحزب والجماعة، بين الدولة والشبكة، بين الخطاب المدني والعلاقات التقليدية. كما أخفق في تقديم نفسه للخارج بوصفه قوة دولة، لا مجرد تكتل دفاعي مرتبك. هذه الثغرات منحت خصومه مادة جاهزة للتشويه، وسهّلت محاكمته بالصورة بدل الوقائع.
لكن نقد الإصلاح شيء، وتحويله إلى عدو مطلق شيء آخر. النقد يحاسبه داخل السياسة؛ أما التصنيف فيخرجه من السياسة كلها. والنظام اليمني، بكل هشاشته، لا يحتمل إخراج كتلة اجتماعية وسياسية كبيرة من المجال العام بقرار خارجي أو بضغط إقليمي. مثل هذا المسار لن ينتج دولة أكثر تماسكًا، بل معسكرًا مناهضًا للحوثي أكثر تفككًا، وشرعية أضعف، وحوثيًا أقوى.
تحتاج الشرعية إلى ملف اتهام منظم لا إلى دفاع مرتبك. ملف يجمع الوقائع لا الشعارات: السجون غير القانونية، الإخفاء القسري، الاغتيالات، دعم التشكيلات المسلحة خارج مؤسسات الدولة، تعطيل عودة الحكومة إلى عدن، ومنع المؤسسات من ممارسة وظائفها. هذه ليست معركة علاقات عامة، بل معركة إثبات ومسؤولية.
تؤكد التطورات الأخيرة أن ملف السجون والتشكيلات غير الخاضعة للدولة لم يُغلق. ففي يناير 2026، قالت "هيومن رايتس ووتش" إن الرئيس رشاد العليمي دعا إلى إغلاق جميع السجون “غير القانونية” في جنوب اليمن، مشيرة إلى أن هذه المواقع كانت تحت سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا وجماعات مسلحة أخرى خلال سنوات الحرب. كما وثقت المنظمة في الشهر نفسه احتجاز قوات تابعة للمجلس الانتقالي أعضاء من اللجنة الوطنية للتحقيق أثناء زيارتهم مركز احتجاز غير رسمي في سقطرى.
تتجاوز القضية الدفاع عن الإصلاح إلى الدفاع عن معنى الدولة. فإذا كانت الإمارات تستخدم “الإخوان” بوصفها تهمة عابرة للحدود، فمن حق اليمنيين أن يطرحوا السؤال المعاكس: ماذا عن القوى التي سُلحت خارج الدولة؟ ماذا عن السجون غير القانونية؟ ماذا عن الاغتيالات؟ ماذا عن قصف قوات الحكومة؟ ماذا عن تحويل مكافحة الإرهاب إلى مظلة لإعادة تشكيل السلطة بعيدًا عن المؤسسات؟
تتمحور المعركة اليوم حول سؤال الدولة: من يملك القرار، المؤسسة أم الوكيل؟ هل تُستعاد عدن وصنعاء ومأرب وتعز عبر جيش وطني وحكومة واحدة، أم تُدار عبر مجالس وتشكيلات متصارعة، لكل منها داعم إقليمي وخطاب تخوين خاص به؟
استراتيجية الاستئصال لا تبني دولة. قد تُضعف خصمًا، وقد ترهب حزبًا، وقد تنتج صمتًا مؤقتًا، لكنها لا تصنع شرعية. بدأت هذه الاستراتيجية أمنيًا، ثم عسكريًا، ثم إعلاميًا، وهي اليوم تحاول أن تلبس ثوب القانون عبر التصنيف. غير أن مآلها واضح: شرعية منزوعة من أحد أعمدتها، ومعسكر مناهض للحوثي فاقد للتوازن، وصراع إقليمي يُدار داخل اليمن بدل أن يُحسم لمصلحة اليمن.
الطريق المعاكس يبدأ من قاعدة صارمة: لا استقرار عبر استئصال المكونات السياسية، ولا شرعية بلا دولة، ولا دولة مع تشكيلات مسلحة تعمل خارج مؤسساتها. وكلما أُدير اليمن بمنطق الوكلاء والتصنيف والانتقام، خرج الحوثي أقوى، وخرجت الشرعية أضعف، وخرجت الدولة أبعد من فكرة الاستعادة لوجودها.
