هل هناك خطر من قيام الحوثيين بحصار مضيق باب المندب؟
أثارت الهجمات الصاروخية الأخيرة من اليمن باتجاه إسرائيل مخاوف من سيناريو أكثر خطورة: إمكانية قيام قوات الحوثيين بحصار مضيق باب المندب. ولكن هل يُعدّ تشديد الخناق حول هذا الممر المائي الحيوي، في ظل الازدحام المروري الحالي في مضيق هرمز، فكرة حكيمة بالنسبة للحوثيين؟
تهديدات مرعبة من اليمن
شكّل إطلاق قوات الحوثيين في اليمن سلسلة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على أهداف عسكرية حساسة في جنوب إسرائيل في أواخر مارس نقطة تحول جديدة في الصراع الإقليمي.
أعلن المتحدث العسكري الحوثي العميد يحيى سريع أن هذا بمثابة إظهار مباشر للدعم لإيران، وتعهد بمواصلة العمليات حتى "يتوقف العدوان على جبهات المقاومة".
يُعدّ مضيق باب المندب، الذي لا يتجاوز عرضه 26 كيلومترًا عند أضيق نقطة فيه، ممرًا مائيًا حيويًا لا غنى عنه، يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. (رسم توضيحي: الجزيرة)
أثار هذا البيان قلق المراقبين الدوليين، ليس بسبب الصواريخ بعيدة المدى المتجهة نحو إسرائيل (حيث تم اعتراض معظمها بواسطة الدفاعات الجوية)، ولكن بسبب الموقع الاستراتيجي المهم الذي يسيطر عليه الحوثيون: مضيق باب المندب.
باب المندب، ويعني "بوابة الدموع" باللغة العربية، هو ممر ضيق يفصل اليمن في شبه الجزيرة العربية عن جيبوتي وإريتريا في القرن الأفريقي. وفي أضيق نقطة فيه، يُعدّ ممرًا حيويًا لا غنى عنه يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.
يمر عبر هذه المنطقة ما يقارب 10% من التجارة البحرية العالمية، وجزء كبير من النفط والغاز من الخليج إلى أوروبا، يومياً. وإذا كان مضيق هرمز يتعرض بالفعل لضغوط كبيرة من إيران، فإن حصار الحوثيين لمضيق باب المندب سيخلق حركة كماشة تُعيق تدفق الطاقة العالمي ، مما سيرفع التضخم وتكاليف النقل إلى مستويات خارجة عن السيطرة.
لا يزال هناك خط أحمر على سطح البحر.
نظرياً، يمتلك الحوثيون القدرة الكاملة على تعطيل هذا التدفق. وتُظهر التجارب التي أُجريت في الفترة من أواخر عام 2023 إلى أوائل عام 2025 أنه باستخدام قوارب صغيرة مُجهزة بالمتفجرات أو الألغام الرخيصة أو الصواريخ المضادة للسفن قصيرة المدى، يستطيع الحوثيون إجبار شركات الشحن العملاقة مثل ميرسك على التفكير في تغيير مسارها حول رأس الرجاء الصالح.
ألمح نائب رئيس الوزراء ووزير الإعلام الحوثي محمد منصور إلى أن إغلاق المضيق "خيار مطروح". وفي حديثه لوسائل الإعلام الإيطالية "إنسيد أوفر"، صرّح الوزير منصور قائلاً: "يجب على أوروبا أن تدرك أيضاً أنه إذا استمرت في إظهار العداء تجاه محور المقاومة، فسنضمن ارتفاع أسعار النفط إلى 200 دولار للبرميل، الأمر الذي سيخنق الاقتصاد الأوروبي".
وأضاف وزير الإعلام الحوثي: "بإمكاننا حصار مضيق باب المندب، وقطع طرق الشحن إلى قناة السويس. لدينا مخزون غير محدود من الصواريخ، ولا يمكن لأي سفينة أن تتحرك بين آسيا وأوروبا دون إذننا".
ومع ذلك، ووفقاً لمحللين جيوسياسيين من الشرق الأوسط، هناك فجوة كبيرة بين التصريحات السياسية والتنفيذ العسكري، تهيمن عليها مخاطر لا يستعد الحوثيون أنفسهم لمواجهتها.
في الواقع، يُعدّ الحصار الكامل لمضيق باب المندب "خطاً أحمر" لن تتسامح معه الولايات المتحدة وحلفاؤها أبداً. ويرى الدبلوماسي الأمريكي السابق نبيل خوري أن هجمات الحوثيين الحالية ليست سوى "مشاركة رمزية" وليست "تدخلاً كاملاً".
في حين أن إطلاق الصواريخ على إسرائيل يمكن اعتباره مجرد رسالة سياسية، فإن هجوم هذه القوات على الشحن التجاري الدولي في باب المندب سيؤدي على الفور إلى رد عسكري غير مسبوق من التحالف.
لا تزال دروس الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية المكثفة على مواقع إطلاق الصواريخ والبنية التحتية في صنعاء (عاصمة اليمن) حاضرة في أذهاننا. وقد تؤدي ضربة أقوى لميناء الحديدة - شريان الحياة الاقتصادي الوحيد المتبقي للحوثيين - إلى إنهاء قدرتهم على الحفاظ على سيطرتهم على شمال اليمن.
"المشكلة الداخلية" وهيمنة الرياض.
إلى جانب الضغوط الخارجية، يواجه الحوثيون واقعاً قاسياً في الداخل. فبعد أكثر من عقد من الحرب الأهلية، بات اليمن بلداً منهكاً، ورغم سيطرة الحوثيين على جزء كبير من الشمال، إلا أنهم ما زالوا يكافحون لمواجهة العديد من الجماعات المسلحة المعارضة.
لا يزال المجلس الانتقالي الجنوبي، رغم حله رسمياً من الناحية الاسمية، قوة هائلة تتربص بالفرص مع ضعف الحكومة في صنعاء.
وقد حذر مبعوث الأمم المتحدة هانز غروندبيرغ مراراً وتكراراً من أن أي تصعيد في البحر الأحمر سيجر اليمن إلى دوامة الحرب الإقليمية، مما سيؤدي إلى تحطيم جهود السلام الهشة بالفعل وإطالة معاناة المدنيين.
ومن العوامل الرئيسية الأخرى التي تحول دون انزلاق الحوثيين نحو التطرف علاقتهم المعقدة مع السعودية. فبعد انسحاب القوات الإماراتية، أصبحت الرياض الطرف الوحيد القادر على تحديد مستقبل اليمن الاقتصادي من خلال حزم مساعدات مالية ضخمة.
رفع أنصار الحوثيين نماذج لصواريخ وطائرات مسيرة خلال احتجاج ضد الولايات المتحدة وإسرائيل في صنعاء، اليمن. (صورة: وكالة الأنباء الأوروبية EPA-EFE)
رغم أيديولوجيتهم المعادية للغرب بشدة، يحتاج الحوثيون بشدة إلى المال للحفاظ على حكمهم وكسب تأييد شعبي. ولذلك، تتبع الرياض سياسة "العصا والجزرة" الراديكالية، فمن جهة تضخ الأموال في الحكومة المعترف بها دوليًا في الجنوب، ومن جهة أخرى تترك الباب مفتوحًا أمام إمكانية عقد اتفاقيات ضمنية مع الحوثيين في الشمال مقابل السلام في البحر الأحمر.
إذا قام الحوثيون بحصار باب المندب، فلن يواجهوا الولايات المتحدة فحسب، بل سيحطمون بشكل مباشر أي آمال أخيرة في التوصل إلى اتفاق مالي مع المملكة العربية السعودية - وهي دولة تسعى أيضاً إلى حماية طريق بديل لتصدير النفط عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر.
وقالت المحللة الأمنية إليزابيث كيندال من جامعة كامبريدج: "إن الهجوم على هذا الطريق سيحول الحوثيين إلى "مُعطِّل" بطريقة سلبية بالنسبة للحوثيين أنفسهم، لأنه سيجبر المملكة العربية السعودية على العودة إلى حرب شاملة لحماية مصالحها الأساسية".
باب لا يجب لمسه.
علاوة على ذلك، يدرك الحوثيون أنه في سياق رغبة الولايات المتحدة في إنهاء الحروب في الشرق الأوسط بسرعة، فإن خلق أزمة شحن عالمية جديدة من شأنه أن يتسبب في فقدان واشنطن للصبر والتحول من غارات جوية محدودة إلى حملة شاملة لتدمير البنية التحتية.
في هذا الوقت، كان وجود مجموعات حاملات الطائرات الأمريكية في المنطقة وتصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بشأن إنهاء العملية في "أسابيع وليس أشهر" بمثابة تحذير قوي.
إن الضغط الناجم عن ارتفاع تكاليف النقل وخطر حدوث اضطرابات في سلسلة التوريد قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية سيجبر واشنطن على التحرك بحزم أكثر من أي وقت مضى إذا تم إغلاق باب المندب.
لذلك، يعتقد جميع الخبراء الذين أجرت معهم قناة الجزيرة مقابلات أنه بدلاً من فرض حصار شامل، قد يختار الحوثيون الحفاظ على حالة "صراع منخفض الحدة" في باب المندب.
وهذا يعني أنهم سيشنون من حين لآخر هجمات صغيرة النطاق أو تهديدات لفظية للحفاظ على نفوذهم على طاولة المفاوضات مع إيران وجيرانها، لكنهم لن يغلقوا الباب نهائياً على البحر الأحمر.
في العام الماضي، نشرت الولايات المتحدة حاملة الطائرات دوايت دي أيزنهاور في البحر الأحمر لمواجهة قوات الحوثيين. (صورة: نيويورك تايمز)
يرى أحمد ناجي، الخبير في مجموعة الأزمات الدولية، أن استراتيجية الحوثيين الحالية "نفسية أكثر منها اقتصادية". فالجماعة تريد أن تُظهر قدرتها على إحداث اضطراب، لكنها لا تريد أن تتحمل مسؤولية انهيار اقتصادي عالمي من شأنه أن يعزلها تماماً، حتى عن الدول المحايدة.
لعلّ قدرة الحوثيين على حصار باب المندب لا تزال مجرد "سيناريو كابوسي" وتُستخدم بالدرجة الأولى كوسيلة ردع. فالواقع السياسي في اليمن، إلى جانب الضغط العسكري من التحالف والاحتياجات المالية المُلحة، قد خلقت قفصاً خفياً يكبح طموحات الجماعة.
قد يطلق الحوثيون صواريخ على إسرائيل لتعزيز صورتهم داخل الكتلة العربية، لكنهم أذكياء بما يكفي ليدركوا أن المساس بباب المندب بمثابة فتح "باب الدموع" لمستقبلهم.

