أزمة سيولة خانقة تهدد رواتب الموظفين وتُربك الأسواق في مناطق الحكومة اليمنية
مع اقتراب نهاية الشهر، تتصاعد مخاوف آلاف الموظفين اليمنيين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دوليًا، من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المعيشية، في ظل عجز واسع عن الحصول على الرواتب نتيجة أزمة سيولة نقدية مستمرة منذ أشهر.
ولا تتمثل الأزمة، وفق خبراء اقتصاديين، في نقص الأموال بقدر ما هي شح في الأوراق النقدية داخل البنوك، التي باتت تفرض سقفًا يوميًا لا يتجاوز 80 ألف ريال يمني لعمليات السحب أو صرف العملات الأجنبية، رغم تحسن نسبي في سعر الصرف (الدولار يساوي نحو 1560 ريالًا). هذا الوضع عمّق حالة فقدان الثقة بين البنوك وعملائها، ودفع كثيرين إلى اللجوء لقنوات مالية غير رسمية.
ويأتي ذلك في سياق أزمة اقتصادية ممتدة تعصف بالبلاد منذ أكثر من عقد، بفعل الحرب، والمضاربات بالعملة، وتراجع الثقة بالنظام المصرفي، إضافة إلى توقف صادرات النفط منذ أكتوبر 2022 جراء الهجمات الحوثية على موانئ التصدير، ما حرم الحكومة من أهم مصادر إيراداتها.
ويرى الخبير الاقتصادي عبد السلام الأثوري أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة «ليست أزمة نقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والدورة النقدية»، مشيرًا إلى خروج كتل نقدية ضخمة من الجهاز المصرفي، ما قيّد قدرة **البنك المركزي اليمني** على التحكم بالسيولة.
وأوضح الأثوري أن تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، واحتفاظ مؤسسات حكومية بأموالها لدى شركات الصرافة بدل توريدها للبنك المركزي، أسهم في نشوء قنوات مالية موازية، إلى جانب اختلالات في بند الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، قبل أن تتسرب إلى المضاربة أو التحويل للخارج.
وكان مسؤولان في البنك المركزي قد حمّلا، في تصريحات نقلتها **رويترز**، بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية مسؤولية تفاقم الأزمة، بسبب الامتناع عن توريد الإيرادات إلى حساب الحكومة في عدن، رغم قرارات مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية المدعومة دوليًا.
وأشار المسؤولان إلى أن الحكومة تعاني عجزًا حادًا في تغطية نفقاتها، نتيجة هبوط الإيرادات العامة، إلى جانب تكدس تريليونات الريالات لدى شركات صرافة ورجال أعمال، خارج الدورة المصرفية الرسمية.
من جانبه، أكد مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي أن من أسباب الأزمة أيضًا تجميد عقود طباعة العملة، ورفض التجار التعامل بالأوراق النقدية الممزقة والتالفة، التي تشكل أكثر من 70% من النقد المتداول، فضلًا عن اتجاه المواطنين لاكتناز الأوراق السليمة في المنازل.
وتنعكس الأزمة على تفاصيل الحياة اليومية، حيث يؤجل مرضى مراجعاتهم الطبية، وتلوّح مدارس خاصة بحرمان طلاب من استكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، فيما يعجز تجار عن تجديد بضائعهم، ويكافح المستهلكون لتأمين احتياجاتهم الأساسية.
ويحذر مراقبون من أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، مع صعوبة حصول التجار على السيولة اللازمة للاستيراد، وتراجع القدرة الشرائية للسكان.
وفيما يصف باحثون الأزمة بأنها «أزمة ثقة» بقدر ما هي مالية، يدعو خبراء إلى إصلاحات عاجلة تشمل ضبط المالية العامة، وإلزام جميع الجهات بتوريد الإيرادات للبنك المركزي، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وإصلاح نظام الرواتب، إلى جانب التوسع في الدفع الرقمي ورقمنة الرواتب، كمدخل لاستعادة الثقة وإعادة التوازن للدورة النقدية.

