من "ميرا" إلى عبدالملك الحوثي.. فحص النسب وادعاء الاستحقاق المترتب عليه يثير جدلاً واسعاً!
نشرت وزارة الداخلية التابعة لميليشيا الحوثي في صنعاء، يوم الأحد، نتائج فحوصات DNA قالت إنها تحسم الجدل بشأن المرأة التي عُرفت خلال الفترة الماضية باسم "ميرا صدام حسين"، منتسبة إلى الرئيس العراقي الراحل، وذلك عبر فحوصات قالت الجماعة إنها أثبتت "بصورة قاطعة" أن المرأة يمنية، وليست ابنة الرئيس العراقي الأسبق.
وجاء الإعلان عبر بيان مطول نشره الإعلام الأمني التابع للجماعة، مرفقاً بصور لما قال البيان إنه فحوصات الحمض النووي وتقارير فنية ووثائق، في خطوة بدت أقرب إلى محاولة متأخرة لحسم قضية تحولت مؤخراً إلى مادة واسعة للجدل السياسي والاجتماعي والإعلامي داخل اليمن وخارجه، وكشفت جانباً من أطماع الميليشيا وسيطرتها على الممتلكات بمناطق سيطرتها.
وقالت الوزارة، في بيان نشره "الإعلام الأمني" التابع للجماعة، إن المرأة "يمنية الجنسية"، وإن اسمها الحقيقي "سمية أحمد محمد عيسى الزبيري"، موضحة أن جميع بياناتها "مثبتة وموثقة رسمياً" في سجلات الأحوال المدنية والسجل المدني، مضيفة أنها أخضعتها لفحص البصمة الوراثية "DNA"، إلى جانب من قالت إنهم والداها وأحد أشقائها، وأن نتائج التحليل أثبتت "بصورة قاطعة" أنها ابنتهما البيولوجية بنسبة تطابق بلغت 99.99%.
ونشر البيان تفاصيل شخصية موسعة عن المرأة وعائلتها وحياتها الخاصة، في خطوة أثارت انتقادات بسبب حجم المعلومات الشخصية التي جرى تعميمها، خصوصاً تلك التي ساقها البيان ضمن محاولة كسر صورتها أمام المجتمع، كطلاقها عدة مرات، وهو ما اعتبره منتقدون محاولة للتأثير على صورتها الاجتماعية أمام الرأي العام.
لكن خلف الضجيج الأمني والإعلامي الذي رافق إعلان "الانتصار" على ما وصفته الجماعة بـ"انتحال الهوية"، تعود إلى الواجهة قصة أكثر تعقيداً، ظلت تتداخل فيها روايات النسب بالنفوذ والمال والصراع على الممتلكات.
ولسنوات طويلة، عاشت "ميرا صدام حسين" داخل دائرة ضيقة من العلاقات والنفوذ في صنعاء، بعيداً عن الأضواء، ولم تكن قصتها معروفة للرأي العام، قبل أن تبدأ تدريجياً بالظهور بهوية ووثائق تحمل اسم "ميرا صدام حسين المجيد"، مقدمة نفسها باعتبارها ابنة غير معلنة للرئيس العراقي الراحل.
وبحسب روايتها، فإنها وصلت إلى اليمن عام 2003 إبان الغزو الأمريكي للعراق، وأن الرئيس الراحل علي عبدالله صالح وفر لها الحماية وهوية يمنية مستعارة، ومنحها عقارات وممتلكات تقديراً لمكانتها من صديقه صدام حسين.
وتقول إنها عاشت بصورة طبيعية لسنوات، قبل أن تدخل في صراع مع شخصيات نافذة داخل سلطة الحوثيين عقب سيطرة الجماعة على صنعاء، ثم بعد مقتل صالح أواخر 2017.
أما الرواية المقابلة التي تتبناها سلطات الحوثيين، فتقول إن المرأة استخدمت وثائق مزورة وانتحلت هوية وهمية للحصول على امتيازات وممتلكات وأموال، مستفيدة من رمزية اسم صدام حسين لدى قطاعات واسعة من اليمنيين والعرب.
وبدأت القضية تتحول إلى ملف علني قبل أربع سنوات تقريبا، عندما توجهت المرأة – وفق روايات متداولة – إلى قسم شرطة في صنعاء للإبلاغ عن فقدان بطائق ووثائق تحمل اسم "ميرا صدام حسين"، لكن البلاغ فتح الباب أمام التحقيق في حقيقة هويتها، لتتحول القضية سريعاً إلى ملف جنائي يتعلق بالتزوير وانتحال الشخصية.
وخلال التحقيقات، جرى توقيف المرأة وإيداعها السجن المركزي في صنعاء لأشهر، قبل أن تصدر المحاكم التابعة للجماعة أحكاماً بإدانتها بتهم تتعلق بتزوير محررات رسمية، شملت جواز سفر عراقي ووثائق أخرى.
لكن بالنسبة لها، لم تكن القضية قضية "تزوير"، بل عملية انتقام واستيلاء منظم على ممتلكاتها، كما قالت في تسجيلات مصورة تداولتها وسائل إعلام ومنصات اجتماعية خلال الفترة الماضية.
ومع تصاعد الجدل، بدأت "ميرا" بكشف أسماء شخصيات نافذة تتهمها بالوقوف وراء ما حدث لها، وفي مقدمتهم فارس مناع، محافظ صعدة السابق وأحد أبرز الأسماء المرتبطة بتجارة السلاح والأسمدة والمبيدات والنفوذ القبلي والسياسي المتحالف مع الحوثيين.
وقالت إن مناع استولى على منزلها في منطقة حدة بصنعاء، إضافة إلى سيارات وأموال ومجوهرات ووثائق قالت إنها تثبت نسبها إلى صدام حسين، فيما تحدثت مصادر عدة عن أن القضية في جوهرها ارتبطت بصراع على الممتلكات والنفوذ أكثر من كونها مجرد نزاع حول الهوية.
وبحسب متابعين للقضية، فإن المرأة كانت تقيم في الفلة محل النزاع منذ سنوات طويلة، قبل أن تدخل شخصيات نافذة على الخط، ويتحول الملف تدريجياً إلى قضية أمنية وقضائية واسعة انتهت إلى تجريدها من تلك الممتلكات تحت غطاء نفي ادعائها وكشف "الاحتيال".
وفي مايو 2026، عادت القضية إلى الواجهة بصورة أكبر، بعد ظهور "ميرا" في مقطع فيديو أثار تفاعلاً واسعاً، وهي تناشد قبائل اليمن التدخل لإنصافها، قبل أن تقدم على قصّ ضفائر شعرها أمام الكاميرا وتسليمها لأحد مشايخ قبائل دهم وهو الشيخ حمد بن راشد بن فدغم الحزمي، في محافظة الجوف، شمال البلاد.
وفي الأعراف القبلية، يُعد قصّ المرأة لشعرها استغاثة واستنجاد واجب النصرة، وقد أعلن الشيخ الحزمي حينها منحها الحماية القبلية، مؤكداً أن القضية بالنسبة له لا تتعلق بإثبات نسبها لصدام حسين بقدر ما تتعلق بما وصفه بـ"رفع الظلم عن امرأة مستضعفة".
ومن هذه الزاوية تحديداً، لا ينشغل هذا التقرير بمحاولة إثبات أو نفي ادعاء النسب، بقدر ما يتوقف عند الكيفية التي طغى بها هذا الجدل على الأسئلة المتعلقة بالنفوذ والممتلكات وطبيعة الصراع. فبعد لجوئها إلى القبيلة، اشتعلت القضية على منصات التواصل ووسائل الإعلام، وانشغل الرأي العام بالسؤال الأكثر إثارة: هل هي فعلاً ابنة صدام حسين أم لا؟، وهو الجدل الذي دفع بالقضية نحو زاوية "إثبات النسب" فقط، بينما بقيت الأسئلة الأهم، والمتعلقة بالنفوذ والممتلكات وطبيعة الصراع في الخلفية.
ووفقاً لصحفيين وناشطين مقربين من الحوثيين، أقر فارس مناع بأن المنزل محل النزاع لا يعود إليه، فيما قال ناشط مقرب منه إنه يقيم فيه بتوجيه من زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي، بعد أن صادره ما يسمى بـ"الحارس القضائي"، وهو اللافتة التي تستخدمها الجماعة للسطو على ممتلكات خصومها.
وبحسب هؤلاء، فإن القضية تحولت تدريجياً من نزاع على ممتلكات إلى معركة لإثبات أو نفي النسب، وسط تجاهل متزايد لوضع المرأة نفسها، التي قال صحفي مقرب من الجماعة إن ظروفها المعيشية تدهورت بصورة كبيرة، ولم تعد قادرة حتى على توفير سكن أو ثمن هاتف.
وأكد ناشطون ومراقبون أن إنصاف المرأة لا ينبغي أن يكون مرتبطاً بكونها عراقية أو يمنية، معتبرين أن الجدل حول هويتها لم يعد مبرراً لتجاهل ما تعرضت له من مصادرة وتشريد، بينما انصب الجزء الأكبر من الجهد الأمني والإعلامي على محاولة حسم قضية النسب.
وفي المقابل، تبرز مفارقة لافتة في نظر الكثير من رواد مواقع التواصل والمتابعين للقصة؛ فالحوثيون الذين قدموا نتائج فحوصات DNA باعتبارها الفيصل في مسألة النسب، يبنون مشروعهم السياسي والديني على فكرة "الحق السلالي" والانتساب لآل بيت النبي محمد صلى الله عليه وسلم، عبر فاطمة بنت النبي وزوجها علي بن أبي طالب، وهي الفكرة التي تقوم عليها عقيدة "الولاية" التي يستخدمها عبدالملك الحوثي لتبرير أحقيته في حكم اليمن.
ويشير هؤلاء إلى أن الميليشيا وأنصارها الذين انبروا بكل قوة، ودفعوا بكل الثقل الأمني والقضائي والإعلامي لإثبات أن امرأة لا تنتمي لعائلة ما، واحتفلوا أخيراً بـ"الانتصار" الذي أعلنته الجماعة عبر نتائج لا يمكن التحقق منها من جهة مستقلة، لم يطرحوا المعيار نفسه على زعيم جماعتهم، الذي يستند بدوره إلى ادعاء النسب لتبرير أحقيته في حكم اليمنيين والتحكم بمصيرهم، ولم يطالبوا يوماً بإخضاع هذا الادعاء لأي فحص أو تحقق مماثل، بما في ذلك فحص الـDNAالذي قدموه هنا باعتباره الفيصل في القضية.
والسؤال الذي ما زال عالقاً وسيظل طويلاً على ما يبدو: إذا كان ادعاء "ميرا" انتسابها لصدام يستوجب فحص الـDNAفماذا عن ادعاء عبدالملك الحوثي أنه من نسل رسول الله، وهو الادعاء الذي بموجبه فرض نفسه حاكماً على اليمن؟
غير أن طرح هذا السؤال لا يتعلق بإثبات أو نفي نسب عبدالملك الحوثي بقدر ما يكشف المفارقة في استخدام معيار "النسب" نفسه؛ إذ إن صحة الانتساب، حتى لو ثبتت، لا تمنح في النهاية حق حكم بلد أو السيطرة على شعب بالقوة.

