تهامة.. جغرافيا الألم المفتوح في وجه الحرب والسيول

الخبر الآن -  متابعات الثلاثاء, 14 أبريل, 2026 - 02:37 مساءً

منذ اندلاع الصراع في اليمن، ظلّت تهامة - بسكانها البسطاء وبيئتها الهشة - واحدة من أكثر المناطق التي دفعت كلفة باهظة، خصوصًا في الحديدة ومديرياتها الممتدة على الساحل الغربي للبحر الأحمر.

وبين الحديدة والمخا وحجة والمحويت وريمة، تتراكم سنوات من المعاناة المركّبة، حيث يتداخل الفقر مع تدهور الخدمات، وانحسار مصادر الدخل، وتصاعد آثار الكوارث الطبيعية، وفي مقدمتها السيول والأمطار الغزيرة التي تكشف هشاشة البنية التحتية في القرى والمناطق الريفية.

منشآت مدمّرة


تروي أم سعيد (اسم مستعار)، وهي موظفة سابقة في إحدى المنشآت التي دُمّرت خلال الحرب، كيف تحوّل فقدانها للعمل إلى نقطة انهيار في حياة أسرتها، شأنها شأن عشرات الأسر التي فقدت مصدر دخلها الوحيد في واحدة من أكثر مناطق اليمن تهميشًا. وتقول لـ"النداء" : "بعد فقداني الوظيفة، تدهورت أوضاعنا بشكل كبير. حاولت البحث عن عمل بديل دون جدوى. لم يكن أمامنا سوى مغادرة تهامة بحثًا عن فرصة تعيننا على العيش… تركناها مجبرين، وقلوبنا معلّقة بها".

ولا تبدو هذه القصة استثناءً، إذ تضررت خلال سنوات الصراع منشآت خدمية حيوية، من مصانع ومستشفيات ومدارس وجسور، إلى جانب تدمير طرق رئيسية تربط تهامة بمحيطها، ما فاقم من عزلتها وعمّق معاناة السكان الذين يواجهون الفقر والنزوح وانعدام الخدمات.

السيول.. كوارث متكررة بلا حماية


في مديرية الدريهمي بالحديدة، يصف محمد علي لحظة اجتياح السيول لمنزله قائلاً إن المياه باغتتهم أثناء تناول العشاء، وجرفت منزلهم المصنوع من سعف النخيل، ودمرت حظيرة المواشي، وأودت بما يملكونه من مصدر رزق.

ويضيف لـ" النداء": "تتكرر معاناتنا مع السيول، ولا نملك مكانًا نذهب إليه. لا نستطيع شراء أرض أو الانتقال… هذه أرضنا التي ورثناها عن آبائنا وأجدادنا، لكن ظروفنا لا تساعدنا على الرحيل".

وتعكس هذه الشهادة واقع آلاف الأسر التي تعيش في مناطق مهددة سنويًا، دون بنى تحتية قادرة على الحد من مخاطر السيول أو حماية السكان.

ألغام تحاصر الحياة


تحوّلت مساحات واسعة من تهامة، خاصة في المناطق الساحلية، إلى حقول ألغام ومخلفات حرب، ما جعلها واحدة من أخطر البيئات على المدنيين. وبينما اضطر كثيرون لمغادرة أراضيهم بعد فقدان أقاربهم، يواصل آخرون العيش وسط تهديد دائم.

وبحسب دراسة صادرة عن مركز صنعاء للدراسات، تمكنت فرق الهندسة من إزالة آلاف الألغام والعبوات الناسفة والذخائر غير المنفجرة، إلا أن التهديد لا يزال قائمًا، في ظل انتشار واسع لهذه المخلفات القاتلة التي تواصل حصد الأرواح وإعاقة سبل العيش.

نزوح مستمر


لا تزال أم محمد تستحضر تفاصيل نزوحها من الحديدة عام 2018، حين اضطرت مع أسرتها لمغادرة منزلها في شارع المطار هربًا من المواجهات.


تقول: "خرجنا دون أن نعرف إلى أين نذهب… تركنا كل شيء خلفنا".


لكن النزوح لم يكن نهاية المعاناة، إذ وجدت نفسها عاجزة عن تحمل تكاليف الإيجار، ما اضطرها للعودة بعد عام، بينما بقي كثير من أقاربها في مناطق نائية تفتقر لأبسط مقومات الحياة.

ويعيش آلاف النازحين من تهامة أوضاعًا إنسانية قاسية، في ظل ضعف الخدمات وشح المساعدات، ما يجعلهم في حاجة ملحّة إلى تدخلات عاجلة.

وفي هذا السياق، يشير الخبير الاقتصادي، فارس النجار، إلى أن عدد النازحين في اليمن تجاوز 4.5 ملايين، وفق تقديرات أممية، موضحًا أن نسبة كبيرة منهم ينحدرون من تعز والحديدة، ويتوزعون في مدن مثل المخا ومأرب وعدن.

ويؤكد أن أزمة السكن وارتفاع الإيجارات دفعت كثيرًا من النازحين إلى العيش في مناطق نائية ومعزولة، تفتقر للخدمات، مع غياب فرص العمل واستمرار المعاناة اليومية.

من بساطة الحياة إلى بؤرة صراع


من جهته، يوضح الناشط الحقوقي غالب القديمي أن محافظة الحديدة، التي تضم 26 مديرية ويقطنها نحو 3.5 ملايين نسمة، كانت قبل الحرب تعيش حياة بسيطة قائمة على الزراعة والرعي وصيد الأسماك، إلى جانب النشاط التجاري والصناعي.

ويضيف في حديثه لـ"النداء" أن الحديدة تحولت بفعل موقعها الاستراتيجي - باعتبارها بوابة بحرية رئيسية لليمن وتضم ثاني أكبر ميناء - إلى ساحة صراع محتدم، ما أدى إلى تدمير واسع وزراعة الألغام في المزارع والطرق وحتى السواحل.

ويتابع: "عشرات القرى الواقعة على خطوط التماس هُجّر سكانها وتحولت إلى ثكنات عسكرية، فيما غادرت العديد من المنظمات التي كانت تقدم المساعدات الإنسانية، تاركة فراغًا زاد من معاناة السكان".

معاناة متعددة الوجوه


بين الحرب والسيول، وبين الفقر والنزوح والألغام، تبدو تهامة نموذجًا صارخًا لتداخل الأزمات في اليمن، حيث تتراكم المآسي دون حلول مستدامة، فيما يواصل السكان مواجهة واقع قاسٍ، يتطلب استجابة إنسانية وتنموية عاجلة تعيد لهذه المنطقة المنسية شيئًا من الاستقرار والحياة.