خطاب "الانسحاب اللفظي".. لماذا تراجعت نبرة الحوثي مع اقتراب النار من إيران؟
منذ اندلاع المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم يكن المشهد الإقليمي وحده هو الذي شهد تحولات عميقة، بل امتد هذا التغير ليطول بنية الخطاب السياسي والإعلامي لعدد من الفاعلين المرتبطين بهذا الصراع، وفي مقدمتهم مليشيات الحوثي في اليمن. وفي قلب هذا التحول يقف خطاب زعيم المليشيا عبدالملك الحوثي، الذي انتقل بشكل تدريجي من لغة التهديد والتصعيد إلى نبرة أكثر حذرًا، أقرب إلى التبرير وإعادة التموضع.
هذا التبدل لم يكن مجرد تغير لغوي عابر، بل يعكس تحولات أعمق تتصل بميزان القوة، وحسابات البقاء، وحدود القدرة على الفعل في ظل حرب إقليمية معقدة ومفتوحة على احتمالات خطرة. ومن هنا، تبرز أهمية قراءة هذا التحول بوصفه مؤشرًا كاشفًا لحقيقة موقع الجماعة في خارطة الصراع، بعيدًا عن الشعارات المعلنة والخطابات التعبوية.
مرحلة ما قبل الحرب: خطاب التهديد كأداة للهيمنة الرمزية
قبل اندلاع الحرب على إيران، اتسم خطاب الحوثي بقدر كبير من التصعيد اللفظي، حيث كانت مفردات “الرد الحاسم” و”الاستهداف المباشر” و”توسيع دائرة المواجهة” حاضرة بقوة في خطاباته. وقد استخدمت المليشيا هذا الخطاب كأداة لتعزيز حضورها الإقليمي، وإظهار نفسها كجزء فاعل في ما يُعرف بمحور المقاومة.
في تلك المرحلة، لم يكن الخطاب موجّهًا فقط إلى الخصوم الخارجيين، بل كان أيضًا أداة للسيطرة الداخلية، إذ ساهم في تعبئة القواعد الشعبية، وترسيخ صورة القوة والقدرة على المبادرة. كما أن محدودية الردود الدولية على بعض التحركات السابقة شجّعت على رفع سقف الخطاب دون خشية من تبعات مباشرة.
غير أن هذه المعادلة بدأت تتغير بشكل جذري مع دخول المنطقة في مواجهة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها القوى الكبرى، وتتصاعد فيها المخاطر إلى مستويات غير مسبوقة.
اندلاع الحرب: اختبار حقيقي للخطاب والقدرة
مع اندلاع المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، دخلت المنطقة مرحلة جديدة اتسمت بارتفاع حدة التوتر، واتساع رقعة الصراع، وازدياد حساسية الممرات البحرية وخطوط الملاحة الدولية. في هذا السياق، لم يعد الخطاب التصعيدي كافيًا، بل باتت كل كلمة تُحسب ضمن معادلة ردع معقدة.
في هذه اللحظة المفصلية، كان يُفترض أن يترجم الخطاب الحوثي المتشدد إلى مواقف عملية تتناسب مع مستوى التهديدات السابقة، غير أن ما حدث كان العكس. فقد ظهر تحول تدريجي في خطاب عبدالملك الحوثي، حيث تراجعت حدة التصريحات، وغابت التهديدات المباشرة، لتحل محلها لغة أكثر عمومية، تركز على الإدانة والتضامن دون إعلان خطوات واضحة.
هذا التحول أثار تساؤلات واسعة حول الفجوة بين الخطاب السابق والواقع الراهن، وحول مدى قدرة الجماعة على الانخراط الفعلي في صراع بهذا الحجم.
من التصعيد إلى الحذر
يمكن رصد ملامح الخطاب الجديد من خلال عدة مؤشرات واضحة، أبرزها تراجع المفردات القتالية المباشرة، مقابل تصاعد لغة التوصيف والتحليل. كما لوحظ أن الخطاب بات يميل إلى تكرار مواقف عامة دون تقديم مبادرات نوعية أو تهديدات محددة.
هذا النمط من الخطاب يعكس حالة من القلق والتوتر والحذر الاستراتيجي، حيث يبدو أن المليشيا تسعى إلى تجنب الانزلاق في مواجهة مفتوحة قد تتجاوز قدرتها على التحمل.
وفي الوقت نفسه، تحاول الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك الأيديولوجي من خلال الاستمرار في إعلان الدعم لإيران.
لكن هذا التوازن الدقيق بين التصعيد اللفظي المحدود وتجنب الفعل الميداني يكشف عن مأزق حقيقي، يتمثل في صعوبة الجمع بين الخطاب التعبوي المرتفع وسقف القدرة الفعلية المحدود.
البحر الأحمر والملاحة الدولية
أحد أبرز العوامل التي ساهمت في تغيير خطاب الحوثي هو الحساسية العالية المرتبطة بالممرات البحرية، خصوصًا في البحر الأحمر. فهذه المنطقة لا تمثل فقط شريانًا اقتصاديًا عالميًا، بل تُعد أيضًا ساحة ذات أهمية استراتيجية كبرى، حيث تتقاطع فيها مصالح دولية وإقليمية متعددة.
وفي ظل الحرب على إيران، أصبحت أي محاولة لاستهداف الملاحة الدولية تُقرأ باعتبارها تصعيدًا مباشرًا ضد النظام الدولي، وليس مجرد رسالة ضغط سياسية.
وهذا ما يفسر الحذر الواضح في الخطاب الحوثي، الذي تجنب الدخول في تفاصيل عملياتية أو التلويح بإجراءات قد تُفسر كتهديد مباشر للمصالح العالمية.
هذا الإدراك الجديد يعكس تحولًا في طبيعة التفكير داخل المليشيا، حيث لم يعد التصعيد خيارًا مفتوحًا، بل بات محفوفًا بمخاطر قد تؤدي إلى نتائج عكسية.
الخطاب كمرآة لحسابات البقاء
لا يمكن فهم التحول في خطاب الحوثي بمعزل عن حسابات البقاء، سواء على المستوى السياسي أو العسكري. فالمليشيا تدرك أن أي انخراط مباشر في الحرب قد يفتح عليها جبهات جديدة، ويستدعي ردودًا يصعب احتواؤها.
ومن هنا، يمكن قراءة الخطاب الحالي بوصفه محاولة لإدارة هذا التوازن الصعب، بين الحفاظ على صورة الانتماء لمحور إقليمي، وبين تجنب الانخراط في مواجهة تتجاوز القدرات المتاحة.
هذه الازدواجية تظهر بوضوح في الجمع بين خطاب التضامن مع إيران، والابتعاد عن اتخاذ خطوات عملية تعكس هذا التضامن على الأرض.
تفكك الصورة الدعائية
لطالما اعتمدت مليشيات الحوثي على خطاب دعائي قوي، يقوم على إبراز القوة والقدرة على التحدي، غير أن المرحلة الحالية كشفت حدود هذا الخطاب. فالفجوة بين الشعارات المعلنة والواقع العملي أصبحت أكثر وضوحًا، ما أدى إلى تآكل جزء كبير من الصورة التي حاولت المليشيا ترسيخها.
هذا التآكل لا يعني بالضرورة فقدان القدرة بالكامل، لكنه يشير إلى أن الخطاب لم يعد قادرًا على تغطية الفجوة بين الطموح والواقع. ومع استمرار هذا التباين، تزداد الحاجة إلى إعادة صياغة الخطاب بما يتناسب مع المعطيات الجديدة.
إعادة التموضع
التحول في خطاب الحوثي يمكن تفسيره بطريقتين؛ الأولى أنه تكتيك مرحلي يهدف إلى كسب الوقت وتجنب التصعيد، والثانية أنه يعكس اعترافًا ضمنيًا بوجود قيود حقيقية تحد من القدرة على الفعل.
وفي كلتا الحالتين، فإن النتيجة واحدة، وهي تراجع مستوى الخطاب مقارنة بالمراحل السابقة، وانتقاله من موقع المبادرة إلى موقع رد الفعل.
هذا الانتقال يعكس تغيرًا في موقع مليشيا الحوثي داخل معادلة الصراع، حيث لم تعد قادرة على فرض إيقاعها الخاص، بل أصبحت مضطرة للتكيف مع إيقاع تفرضه قوى أكبر.
انعكاسات التحول على الداخل اليمني
لا يقتصر تأثير هذا التحول على البعد الإقليمي، بل يمتد أيضًا إلى الداخل اليمني، حيث يشكل الخطاب أحد أدوات السيطرة والتعبئة. ومع تراجع النبرة التصعيدية، تواجه المليشيا تحديات في الحفاظ على مستوى التعبئة نفسه، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة.
كما أن هذا التحول قد يفتح المجال أمام تساؤلات داخلية حول جدوى الخطاب السابق، ومدى واقعيته، وهو ما قد يؤثر على مستوى الثقة بين القيادة الحوثية وقواعدها.
خطاب يكشف أكثر مما يخفي
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى التحول في خطاب عبدالملك الحوثي بوصفه مجرد تغير في الأسلوب، بل هو انعكاس مباشر لتحولات أعمق في بنية الصراع، وفي موقع المليشيا ضمن هذا الصراع.
فالانتقال من التهديد إلى التبرير، ومن التصعيد إلى الحذر، يكشف عن حدود القوة، ويعري الفجوة بين الخطاب والواقع، ويؤكد أن الشعارات، مهما بلغت حدتها، تظل مقيدة بميزان القوى وحسابات الميدان.
وفي ظل استمرار الحرب وتطوراتها، سيبقى هذا الخطاب عرضة لمزيد من التحولات، لكن المؤكد أن المرحلة الحالية قد وضعت حدًا فاصلاً بين زمن العنتريات اللفظية، وزمن الحسابات الدقيقة التي تفرضها معادلات القوة في عالم شديد التعقيد.

