أماني عبدالكريم.. من قاعة المحاضرات إلى بسطة الخضروات

الخبر الآن -  صنعاء السبت, 18 أبريل, 2026 - 03:06 مساءً

في سوق المطراق بمدينة الحديدة، يتشكل الصباح على وقع أصوات الباعة وحركة المشترين. بين هذا الزحام، تجلس أماني عبدالكريم خلف بسطة خضروات، ترتب ما أمامها بلمسٍ دقيق، وتدير البيع بثبات واضح. تعرف زبائنها من أصواتهم، وتتابع تفاصيل يومها بإيقاع منظم، كأنها تحفظ المكان عن ظهر قلب.

المشهد بسيط في ظاهره: بائعة خضروات في سوق شعبي. لكن خلف هذه البسطة تقف سيرة تعليمية ومهنية بدأت في قاعات الجامعة، وانتهت مؤقتاً إلى هذا الركن المفتوح على ضجيج الحياة.

مسار تعليمي مكتمل

أماني خريجة كلية الإعلام بجامعة صنعاء، قسم العلاقات العامة. فقدت بصرها في الصف الأول الثانوي، واستمرت في التعليم حتى نالت شهادة البكالوريوس بعد سنوات من الدراسة المنتظمة. أضافت إلى ذلك شهادة الرخصة الدولية لقيادة الحاسوب (ICDL)، في مسار يعكس تأهيلاً واضحاً لدخول سوق العمل.

الجامعة شكلت مرحلة تأسيس حقيقية؛ حضور، تكليفات، تفاعل، ومحاولات مستمرة لصقل المهارات. هذا المسار انتهى بشهادة أكاديمية تحمل تخصصاً محدداً، وتفتح – نظرياً – أبواباً مهنية متعددة.

الاصطدام بسوق العمل

بعد التخرج، بدأت أماني البحث عن وظيفة في مجال الإعلام والعلاقات العامة. تقدمت بطلبات، وخاضت مقابلات، وواجهت نمطاً متكرراً من الأسئلة. السؤال الأبرز كان يدور حول فقدان البصر، ويتقدم على أي حديث عن الكفاءة أو الخبرة.

مع تكرار المحاولات، تشكلت فجوة واضحة بين المؤهل الأكاديمي وفرص التوظيف المتاحة. في هذا السياق، حضرت عوامل أخرى: انقطاع الرواتب، ضيق الفرص، ونظرة اجتماعية تختزل قدرات فاقدي البصر في جانب واحد.

التحول إلى خيار السوق

في المنزل، تزايدت المسؤوليات. والد مريض بلا دخل ثابت، وأسرة تحتاج إلى مصدر إعالة. عند هذه النقطة، اتخذت أماني قراراً عملياً: إنشاء مشروع صغير لتأمين دخل يومي.

اختارت سوق المطراق، وبدأت ببسطة خضروات برأس مال محدود. العمل يبدأ منذ الصباح الباكر، يتضمن شراء البضاعة، ترتيبها، البيع، ومتابعة حركة السوق حتى المساء. مع الوقت، أصبحت البسطة مساحة عمل مستقرة، ومصدراً مباشراً للدخل.

مهارات الإعلام في سوق الخضار

خبرة العلاقات العامة ظهرت بشكل مختلف في هذا السياق. طريقة الحديث مع الزبائن، إدارة التفاوض، الحفاظ على حضور مستمر في السوق، كلها عناصر ساهمت في بناء ثقة متبادلة مع المترددين على البسطة.

التعامل اليومي مع الموردين، حساب التكاليف، وتقدير حركة الطلب، شكلت خبرة عملية موازية للدراسة الأكاديمية. السوق قدم لأماني بيئة تطبيقية مكثفة، قائمة على التفاعل المباشر واتخاذ القرار السريع.

صوت شخصي في الفضاء العام

تطرح أماني عدداً من التساؤلات:

هل الكفيف أقل من المبصر؟ لماذا تُفتح الأبواب للمبصر، بينما يُسأل الكفيف أولاً: هل ترى؟
وتجيب: الكفيف ليس عاجزاً بل المجتمع هو الذي عجز عن رؤيته كما يجب.

تساؤلاتها تعكس تجربة شخصية ممتدة، وتضع مسألة تكافؤ الفرص في صدارة النقاش. الطرح يأتي بصيغة مطالبة واضحة، مرتبطة بسوق العمل، وبآليات التوظيف التي تسبق تقييم الكفاءة.

دعوات للدعم والاعتراف

رئيس فرع نقابة الصحفيين بمحافظة الحديدة، مصطفى بدير، يشير إلى تجربة أماني بوصفها نموذجاً يستحق الالتفات، داعياً إلى دعمها وتسليط الضوء على قدرات خريجين يواجهون عوائق غير مهنية.

هذه الدعوات تضع القصة ضمن إطار أوسع، يتعلق بسياسات التوظيف، وبدور المؤسسات في استيعاب الكفاءات المؤهلة، بعيداً عن التصنيفات المسبقة.

بين السوق والتخصص

تستمر أماني في عملها اليومي في سوق المطراق، وتتابع في الوقت نفسه البحث عن فرصة ضمن مجال الإعلام. الشهادة الأكاديمية ما تزال حاضرة، إلى جانب خبرة ميدانية تشكلت في سياق مختلف.

المسار الحالي يجمع بين واقع مفروض وطموح مهني واضح. وبين البسطة وقاعات المؤسسات الإعلامية، تبقى المسافة مرتبطة بقرار واحد: إتاحة فرصة عمل قائمة على الكفاءة.

افتحوا الأبواب

مع نهاية كل يوم، تجمع أماني ما تبقى من الخضروات، وتغادر السوق. يوم جديد ينتظرها في المكان نفسه، بإيقاع مشابه وتفاصيل تتكرر.
وعلى صفحتها على فيسبوك تختصر أماني موقفها، تكتب:



 



صور