إيران تحت الضغط.. مفاوضات إسلام آباد بلا خيارات
في خضم مشهد بالغ التعقيد تتشابك فيه الحسابات الجيوسياسية مع تصريحات متضاربة تتقاطع وتتناقض، تقف المنطقة على أعتاب لحظة فارقة قد تعيد رسم ملامح الملف الإيراني برمته.
جولة تفاوضية ثانية بين واشنطن وطهران تلوح في أفق إسلام آباد، لكنها لا تزال محاطة بأسئلة مصيرية مقلقة: من يملك القرار داخل إيران فعلا؟ وهل الوفد الذي يحضر قادر على إلزام النظام بما يوقع عليه؟ وأين تقع الخطوط الحمراء التي لن تتجاوزها طهران مهما اشتد الضغط؟
إيران مجبرة على إسلام آباد.. والحصار يحسم الجدل
ذهب الكاتب الصحفي محمد الحمادي، خلال حديثه لسكاي نيوز عربية إلى أن المشهد التفاوضي يكشف عن "حرب تصريحات" تتسم بالشد واللين في آن واحد، مشيرا إلى أن أغلب المسؤولين الإيرانيين تحدثوا وغردوا وصرحوا خلال الـ24 ساعة الماضية، وكلهم يسيرون في اتجاه إبقاء باب التفاوض مفتوحا نحو إسلام آباد.
وأضاف الحمادي أن إيران باتت تملك ساعات قبل انتهاء مهلة الهدنة ووقف إطلاق النار، مما يجعل حساباتها "دقيقة وصعبة جدا"، خاصة أن النظام الإيراني اختبر ترامب خلال حرب الأربعين يوما ورأى أنه لا يردعه شيء وقادر على التصعيد العسكري في أي لحظة.
ولفت الحمادي إلى أن المفاوض الإيراني "قد يذهب مجبرا إلى إسلام آباد"، في حين أكد رئيس قطاع تريندز جلوبال بمركز تريندز للبحوث، عوض البريكي أن الوفد الإيراني "سيكون مجبرا على الذهاب"، مستندا إلى حجم الضغوط الاقتصادية الهائلة التي يفرضها الحصار الأميركي، إذ تقدر الخسائر الاقتصادية بـ435 مليون دولار يوميا، ما يعادل 13 مليار دولار شهريا، علما بأن أكثر من 90% من واردات وصادرات إيران تمر عبر مضيق هرمز، مما يجعل البدائل المتاحة أمام طهران شحيحة للغاية.
الحرس الثوري.. العقبة الكبرى في وجه أي اتفاق
أثار الخبير في العلاقات الدولية إيلي الهندي، خلال حديثه تساؤلات جوهرية حول أهلية الوفد الإيراني المفاوض، قائلا إنه "ما زال يشكك في أن من هم موجودون في إسلام آباد قادرون فعلا على التكلم باسم النظام"، لافتا إلى مشكلة بنيوية حقيقية تكمن في أن التفاوض يجري مع السياسيين في حين أن القرار الفعلي هو في يد الحرس الثوري.
وتساءل الهندي: هل تمتلك قيادة الحرس الثوري الواقعية البراغماتية الكافية لتقبل التنازلات اللازمة؟ أم أن طبيعة النظام العقائدية والأيديولوجية، التي تعتبر "القتال حتى النهاية والاستشهاد في سبيل القضية مبدأ أساسياً"، ستتغلب على أي منطق حسابي؟ وأضاف أن النظام لا يعطي أي اهتمام لمصلحة الشعب الإيراني والاقتصاد.
من جهته، كشف الخبير في الشؤون الإيرانية شادي دياب أن ثمة أزمة شرعية حقيقية تتفاعل في العمق الإيراني، مطروحا فيها السؤال الجوهري: من يمنح الشرعية لمن في ظل غياب من يمنح هذه الشرعية؟ وأن ثمة شكوكا داخلية حول من أعطى التفويض للتنازل عن هذه النقاط أو القبول بتلك الشروط.
وأشار دياب إلى أن محمد باقر قاليباف، الذي يعد من صقور النظام، تصدر المشهد والدفاع عن خيار التفاوض، فأطلق تصريحات "غير مسبوقة" اعترف فيها صراحة بالقوة الأميركية، وهو ما وصفه دياب بأنه "أول مرة يعترف فيها الإيرانيون بقوة الولايات المتحدة".
ورأى أن هذه التصريحات كانت رسالة على مستويين: رسالة للمتشددين في الحرس الثوري تحثهم على مواجهة الواقع وقبول التفاوض حماية لما تبقى من النظام، ورسالة للداخل الإيراني تهيئه لاحتمال التوقيع على اتفاق.
وكشف دياب أن قاليباف تعرض لهجوم غير مسبوق من أنصار سعيد جليلي في منصات التواصل، "كادوا أن يخونوه"، وطالبوا بإثبات أن المرشد مجتبى خامنئي هو من منحه الشرعية للتنازل، لا سيما فيما يخص ملف مضيق هرمز والملف النووي.
وأكد دياب أن الوفد الإيراني على الأرجح سيذهب إلى إسلام آباد "لأنه مضطر، هذه فرصته الأخيرة"، وقد سمع من حلفائه في روسيا والصين أن "هذه فرصتكم الأخيرة، بعد هذا لن نتمكن من دعمكم في أي موقف".
إيران تبيع الوقت.. وترامب يبشر بالاتفاق
في تحليله للخطاب الأميركي-الإيراني، رأى الحمادي أن تصريحات ترامب الذي "يبشر بالاتفاق ويوشر بالتوقيع كأن الأمر قد انتهى" لا تأتي من فراغ، مستشهدا بتصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزيشكيان حول أهمية الدبلوماسية شريطة ألا تكون على حساب المصالح القومية، معتبرا أن هذه المؤشرات تبشر بأن "هناك شيئا ما سيحدث".
غير أن دياب نبه إلى أن التصريحات "ليست دوما تعبر عن مضمونها بالكلمات كما هي"، وأن إيران تحاول دوما في كل نقطة تحول شراء الوقت، بينما الجانب الأميركي "لا يملك الكثير من الوقت" لأنه على أعتاب استحقاقات داخلية تفرض عليه إنهاء الملف الإيراني بأقل الخسائر الممكنة، وذلك لأن إطالة أمد الأزمة "ستكبد الاقتصاد العالمي خسائر كبيرة".
وأشار البريكي إلى أن حصار مضيق هرمز "سينقلب على الجانب الإيراني"، إذ إن استمرار الإغلاق من جانب طهران سيدفع واشنطن للمضي في حصارها، فتتضرر إيران وحدها من هذه المعادلة.
الملف النووي أهون الملفات.. والأذرع الإقليمية الخط الأحمر الأول
في مفارقة لافتة خالف فيها الرأي السائد، أكد الهندي أن "مسألة النووي قد تكون أسهل ما يمكن الاتفاق عليه بين البلدين"، مستندا إلى أن إيران تمتلك المعرفة والكوادر والبرنامج، وبالتالي لن تتمكن من التخلي عن هذه المعرفة مهما كان الاتفاق.
وأشار إلى أن ثمة حلولا "خارج الصندوق" قابلة للتطبيق، كاستيراد اليورانيوم المخصب من الخارج عبر روسيا أو عبر المنظومة الدولية، أو إيداعه لدى دولة ثالثة كباكستان بدلا من تسليمه لأميركا، مؤكداً أن الملف النووي "لا يشكل جوهرا أساسيا من أيديولوجية النظام".
في المقابل، أكد الهندي أن ملف الأذرع الإقليمية "جوهري لوجود النظام وفكرة تصدير الثورة"، مشيرا إلى أن طهران لديها "مشكلة أكبر في التخلي عن حزب الله مما لديها مشكلة في تأجيل حصولها على السلاح النووي"، وأن إيران قابلة للتفاوض على تأجيل برنامجها النووي لخمس أو عشر سنوات، لكنها لن تتنازل عن أذرعها الإقليمية. كما أضاف أنه لا يعتقد أنها ستقبل بتحديد برنامجها الصاروخي بشكل كامل.
وأكد الحمادي أن إيران قد تكون مرنة نسبيا في ملف اليورانيوم، لكنه أثار تساؤلا عميقا حول الكيفية التي سيبرر بها النظام للداخل الإيراني تخليه عن برنامج دمر البلد بسببه على مدار سنوات، مشيراة إلى أن الداخل الإيراني يعاني احتقانا قابلا للانفجار في أي لحظة.
ورسم دياب صورة قاتمة لوضع الاقتصاد الإيراني، كاشفا أن 95% من الوحدات الصناعية إما مدمرة كليا أو جزئيا، وأن خمس محافظات إيرانية شهدت تعطل ما بين مليون و3 ملايين عامل، محذرا من أن ورقة مضيق هرمز "ستنقلب على إيران نفسها إذا استمر الإغلاق".
من جهته، رصد الهندي مسارا من التراجعات الإيرانية المتتالية، إذ بدأت طهران برفض التفاوض على اتفاق شامل، ثم تراجعت. ثم اشترطت أن يكون لبنان ضمن الاتفاق فسقط هذا الشرط.
ثم اشترطت رفع الحصار قبل الذهاب إلى الجولة الثانية، "ويبدو أن ذلك سقط أيضا"، مستنتجا أن إيران تمارس حقها المشروع في التلاعب بما يسرب للإعلام مقارنة بما يتداوَل في الداخل.
ونبّه إلى أن الجولة الثانية حتى لو انعقدت لن تكون سوى بداية، إذ قد تفضي إلى "اتفاق إطار شامل" يتبع بأسابيع من المفاوضات التفصيلية.

