مناهج الموت ومراكز التعبئة.. كيف تُصنع "عقلية القطيع" في مناطق سيطرة الحوثيين؟

الخبر الآن -  متابعات السبت, 04 أبريل, 2026 - 09:57 مساءً

بينما تنشغل طاولات المفاوضات الدولية برسم خرائط التقاسم السياسي وخطوط وقف إطلاق النار، تنمو في الخفاء "خرائط ذهنية" لملايين الأطفال والشباب اليمني الذين لم يعرفوا في حياتهم سوى لون الشعار الواحد، وصوت "الزامل" الحربي، وصور "الشهداء" التي تملأ جدران أحيائهم.
عشر سنوات ليست مجرد رقم في عمر الحرب، بل هي دورة زمنية كاملة كانت كافية لتحويل طفل في السادسة من عمره إلى شاب في السادسة والعشرين، نشأ في بيئة معزولة تماماً عن قيم الجمهورية، التعددية، والانفتاح على العالم، ليجد نفسه محاصراً داخل منظومة أيديولوجية تسعى لإعادة صياغة هويته الوطنية والدينية وفق مقاسات طائفية ضيقة.

ويجد المجتمع اليمني نفسه اليوم أمام جيل ينمو في ظل نظام تعليمي تم "تجريف" محتواه وتحويله إلى منصات تعبئة، ومناخ اجتماعي يُقدس الموت في سبيل الرموز الطائفية أكثر من الحياة، حيث استبدلت أحلام الطب والهندسة والآداب ومختلف العلوم والفنون بـ"ثقافة الموت" التي بات يتغنى بها كثير من الأطفال والشباب اليافعين، والولاء المطلق لزعيم المليشيا.

هذا الجيل الذي يُشكل اليوم عصب القوة البشرية في مناطق سيطرة الحوثيين، يعيش في فقاعة معلوماتية مُحكمة، يرى فيها العالم من منظور "المؤامرة الدائمة" والعداء المطلق للآخر، مما يضع كثيرين أمام سؤال هو الأخطر في تاريخ اليمن المعاصر، وهو كيف يفكر هؤلاء، وكيف ستتعامل اليمن ومحيطها مع جيش عقائدي لا يؤمن بالحدود الجغرافية أو السياسية، بل يؤمن برسالة أيديولوجية عابرة للحدود؟

ويمثل هذا التجريف قنبلة موقوتة تُزرع في أوساط الناشئة، والتي قد تكون تكلفتها على مستقبل اليمن ووحدته الاجتماعية والسياسية أفدح بكثير من تكلفة الصواريخ والخنادق، فالحروب قد تنتهي باتفاقية، بينما إعادة بناء عقول جيل كامل "لُغمت" أفكاره بالعدائية، هي معركة قد تمتد لعقود.

"تلغيم" العقول
ولم يعد الفصل الدراسي في مناطق سيطرة الحوثيين مكانا لتلقي العلوم الأساسية، بل تحول إلى "غرفة عمليات فكرية" تهدف إلى استئصال الهوية الوطنية اليمنية وزراعة أيديولوجيا طائفية بديلة، إذ تبدأ العملية بـ"تجريف المناهج"، حيث خضعت الكتب المدرسية، خاصة في مواد التربية الإسلامية واللغة العربية والتاريخ، لعملية جراحية كبرى شملت حذف الدروس التي تُعلي من شأن ثورة 26 سبتمبر ومبادئ الجمهورية والمواطنة المتساوية، واستبدالها بنصوص تُكرس مفهوم "الولاية" والحق الإلهي في الحكم. ويواجه الطالب اليمني اليوم منهجاً يُمجد القوة العسكرية، ويُحول الرموز التاريخية الوطنية إلى مجرد "خونة" أو "متمردين"، بينما يتم إحلال صور وخطب قيادات المليشيا كمرجعيات معرفية مقدسة. ولم يتوقف هذا "التلغيم" الفكري عند الكتب المدرسية فحسب، بل امتد إلى الأنشطة المدرسية اليومية. فـ"الطابور الصباحي" تحول من تحية العلم والنشيد الوطني إلى ترديد "الصرخة" والشعارات الحربية، مما خلق حالة من الانفصام لدى الطفل بين ما يسمعه في منزله -إن تجرأت الأسرة على المعارضة- وبين ما يُلقن له كحقيقة مطلقة في مدرسته.

الهدف النهائي لهذه المناهج هو صناعة "عقلية القطيع" التي لا تُسائل ولا تنتقد، بل تنقاد وراء زعيم المليشيا أو ما يطلق عليه "العلم" بلا تردد، كما أن هذا الجيل الذي نشأ وفي حقيبته المدرسية "ملازم" تُحرض على الكراهية وتُقسم المجتمع إلى "مؤمنين" و"منافقين"، هو جيل يتم انتزاعه قسراً من سياقه الحضاري العربي واليمني، ليصبح مجرد وقود لمشروع سياسي يرى في التعليم وسيلة للتجنيد لا وسيلة للتنوير، مما يجعل المجتمع أمام كارثة تربوية ستظل آثارها محفورة في وجدان هؤلاء الشباب لعقود، مما يجعل معركة "تحرير العقول" لا تقل أهمية عن معركة تحرير الأرض.

المراكز الطائفية
وإذا كانت المدرسة تُمثل "المعسكر النظري"، فإن المراكز الصيفية التي تنظمها المليشيا هي "خط الإنتاج الفعلي" للمقاتل العقائدي، إذ تُعد هذه المراكز بمثابة معازل فكرية وجسدية، يُفصل فيها الناشئة عن محيطهم الأسري الطبيعي لعدة أسابيع، ليُوضعوا في بيئة مُغلقة تخضع لرقابة صارمة وتوجيه مكثف، ويتم في هذه الحواضن تكثيف "الجرعات التعبوية" عبر دراسة "الملازم" (أدبيات المليشيا)، حيث يتم غسل أدمغة الصغار بمفاهيم الولاء المطلق للفرد، وتصوير المجتمع والعدو الافتراضي ككتل يجب مواجهتها بالحديد والنار.

ولم تتوقف هذه المراكز عند حدود التلقين الطائفي، بل امتدت لتشمل تدريبات شبه عسكرية تُحاكي واقع الجبهات، مما زرع في وعي الطفل أن "البندقية" هي أداة التعبير الوحيدة عن الذات، ورمز "الرجولة" والتمكين، لتصبح عملية "عسكرة للطفولة" بامتياز، حيث تهدف إلى تحطيم الروابط العاطفية والاجتماعية التقليدية للنشء، واستبدالها بروابط تنظيمية صلبة تجعل من الشاب "مشروع قتيل" مؤجل، والنتيجة هي تخرج آلاف الشباب الذين لا يملكون مهارات حياتية أو طموحات أكاديمية، بل يمتلكون فقط الاستعداد النفسي للاندفاع نحو الموت في سبيل شعارات غيبية، مما جعل من هذه المراكز "مفارخ بشرية" تضمن استمرارية الحرب على حساب مستقبل أجيال اليمن المحطمة.

تآكل الهوية الوطنية
وتكمن في قلب المشروع الحوثي محاولة هندسة اجتماعية كبرى تهدف إلى استبدال مفهوم "المواطنة" بمفهوم "التبعية"، وتحويل الهوية اليمنية الجامعة إلى ما يسمى بـ"الهوية الإيمانية" والتي تتسم بالطائفية والعنصرية.

هذا المصطلح ليس مجرد شعار ديني، بل هو أداة سياسية صممت لفك ارتباط الجيل الناشئ بتاريخه الجمهوري وربطه بدلاً من ذلك بسلالة أو مرجعية ضيقة، حيث يشبُّ هذا الجيل وهو يرى العلم الوطني يُزاح جانباً لصالح الشعارات الخضراء واللافتات الطائفية، ويسمع في إذاعاته المدرسية تمجيداً لرموز المليشيا بدلاً من أبطال ثورة 26 سبتمبر ورموز التنوير اليمني.
هذا التجريف المتعمد للهوية الوطنية خلق حالة من "الاغتراب الثقافي"؛ فاليمني الصغير في مناطق السيطرة الحوثية بات ينمو ضمن منظومة قيمية تجعل من "الولاية" شرطاً للإيمان، ومن معاداة محيطه العربي واجباً مقدساً، يتم اختزال تاريخ اليمن العريق في حقبة واحدة، وتصوير كل ما سبق "الصرخة" على أنه ضلال وتيه، فهذه العملية لا تهدف فقط إلى كسب الولاء السياسي، بل إلى خلق انقسام سيكولوجي حاد بين أبناء البلد الواحد؛ فجيل "الهوية الإيمانية"، حسب توصيف الحوثيين، يرى في أخيه اليمني (الذي لا يشاطره ذات الأيديولوجيا) عدواً أو "منافقاً"، مما يفتت النسيج الاجتماعي ويجعل من فكرة "الدولة الوطنية" مجرد ذكرى باهتة في عقول الناشئة، كما تكمن خطورة هذا النهج في أنه يبني جدراناً نفسية من الصعب هدمها مستقبلاً، حيث يصبح الوطن بالنسبة لهذا الجيل ليس جغرافيا وتاريخاً مشتركاً، بل "خندقاً" أيديولوجياً لا يقبل القسمة على اثنين.

تحذيرات رسمية
وفي سياق التحذيرات الرسمية من خطورة هذا التحول، وصفت الحكومة الشرعية في وقت سابق ما يحدث في مناطق سيطرة المليشيا الحوثية بأنه "عملية تفخيخ شاملة" لعقول ملايين الأطفال.

وبحسب وزير الإعلام معمر الإرياني، فإن هؤلاء الصغار يتعرضون لعمليات "غسل أدمغة" ممنهجة تهدف إلى مسخ هويتهم الوطنية والعربية واستبدالها بأفكار "ظلامية متطرفة مستوردة من طهران". فهذا التجريف الفكري لا يهدد النسيج الاجتماعي اليمني فحسب، بل يسعى لتحويل جيل كامل إلى "قنابل موقوتة" تُدار "بالريموت كنترول" من قبل الحرس الثوري الإيراني وحزب الله لتنفيذ سياسات تدميرية عابرة للحدود.

وتشير التقارير الرسمية والحقوقية إلى أن المليشيا جندت أكثر من 35 ألف طفل منذ بداية الحرب، مما يجعل "عسكرة الطفولة" أحد أخطر إفرازات الصراع. وأمام هذا الملف الكارثي، استنكرت الحكومة الصمت الدولي تجاه "تجهيز جيل من المتطرفين" المشبعين بثقافة الموت، مطالبةً بضغط حقيقي لوقف تجنيد الصغار وإدراج المليشيا ضمن قوائم الإرهاب الدولية، وملاحقة قياداتها أمام محكمة الجنايات الدولية. فالمعركة اليوم -وبحسب الإرياني- ليست مجرد استعادة للأرض، بل هي سباق مع الزمن لإنقاذ مئات الآلاف من الأطفال من مستقبل قاتم يهدد الأمن والسلم الإقليمي والدولي.

لغة الزامل والشعار
ولا يمكن فهم سيكولوجية الجيل الذي نشأ في ظل الحوثيين دون الالتفات إلى "الموسيقى التصويرية" التي ترافق حياتهم اليومية وتُشكل وجدانهم، فقد عمدت المليشيا إلى تحويل "الزامل" من موروث شعبي قبلي يُعبر عن الفخر والوساطة، إلى سلاح فتاك للهندسة الصوتية وغسل الأدمغة، حيث يشب الطفل في هذه المناطق وهو يحفظ أهازيج الدم، والثأر، والتمجيد المطلق للقيادة، قبل أن يحفظ نشيده الوطني أو يتعرف على قصائد شعراء اليمن الكبار، فهذه "الزوامل"، بإيقاعاتها الحماسية ولغتها التحريضية، تعمل كخلفية مستمرة تُطبع العنف في العقل الباطن، وتجعل من صور الموت والزحف نحو الجبهات طموحاً "شاعرياً" وليست مغامرة قاتلة.

أما "الصرخة" (الشعار)، فقد تجاوزت كونها هتافاً سياسياً لتتحول إلى طقس اجتماعي يومي يُستخدم لإثبات الولاء وفرز المجتمع، فهذا الضجيج الأيديولوجي المكثف نجح في "حصار المفردات" لدى الناشئة؛ فباتت لغتهم اليومية مشحونة بمصطلحات التخوين والعداء مثل "المرتزقة"، "المنافقين"، و"العدوان"، وهي مفردات تُبني حاجزاً نفسياً ولغوياً سميكاً بينهم وبين أي خطاب مدني أو تصالحي.

وتكمن الخطورة هنا في صناعة جيل يرى العالم عبر "منظار سمعي" ضيق، حيث يُصنف البشر وفقاً لمدى صراخهم بالشعار، مما يُنتج وعياً مشوهاً يستوحش من لغة الحوار ويستلذ بضجيج المعركة، ويحول "الكلمة" من أداة للبناء إلى رصاصة في صدور المخالفين.

المشرف كقدوة والبندقية كخيار
وفي الوقت الذي تلاشت فيه أحلام الشباب اليمني في التحول إلى أطباء أو مهندسين أو مبدعين، فرضت المليشيا واقعاً اقتصادياً مأزوماً حوّل "البندقية" إلى الوظيفة الوحيدة المتاحة والمستدامة، فسياسة تجريف المؤسسات وانقطاع الرواتب الممنهج منذ سنوات لم تكن مجرد نتيجة للحرب، بل كانت أداة سياسية للي ذراع الأسر ودفع أبنائها نحو محارق الموت. ففي مناطق سيطرة الحوثيين، يرى الشاب أن التعليم الجامعي طريق مسدود لا ينتهي إلا بالبطالة، بينما يوفر الالتحاق بالجبهات سلالاً غذائية، ومكانة اجتماعية مشوهة، ودخلاً مالياً يُنتزع من أقوات المواطنين عبر الجبايات.

وقد استُبدل "المعلم" و"المثقف" بنموذج "المشرف"؛ ذلك الشخص الذي لا يملك مؤهلاً سوى الولاء العقائدي والقوة العسكرية، بينما يمتلك المال والنفوذ والسيارات الفارهة، هذا التحول الخطير في سلم القيم جعل الجيل الناشئ يرى في "عسكرة الذات" قمة الهرم الوظيفي، مما أدى إلى مقتل الطموح المدني وتفريغ البلاد من كفاءاتها المستقبلية، مما جعل المجتمع أمام "اقتصاد جوع" مبرمج، يُقايض الخبز بالولاء، ويحول طاقات الشباب من البناء والإعمار إلى أدوات في آلة حرب لا تتوقف، مما يخلق جيلاً يفتقر للمهارات المهنية ولا يجيد سوى لغة القتل، الأمر الذي من شأنه أن يجعل إعادة إدماجهم في مجتمع سلمي ومستقر معضلة وطنية كبرى في المستقبل.

الفجوة الرقمية
ومع التدفق المعلوماتي الحر يعيش الجيل الناشئ في مناطق سيطرة الحوثيين داخل "صومعة رقمية" مُحكمة، حيث تحول الفضاء الإلكتروني من نافذة للانفتاح إلى أداة للعزل والتدجين، فلم تكتفِ المليشيا بفرض رقابة صارمة وحجب المواقع الإخبارية ومنصات التواصل المخالفة، بل عمدت إلى "هندسة المحتوى" الذي يصل إلى عقول الشباب، ليجد الناشئ نفسه محاصراً بفيضٍ من الروايات الأحادية التي تصور العالم كساحة للمؤامرات الكونية التي لا تستهدف سوى جماعته، فهذا الحصار الرقمي خلق جيلاً يعيش في "فقاعة معلوماتية"، حيث يتم استبدال الحقائق الموضوعية بـ"شائعات مقدسة" وتفسيرات غيبية للأحداث السياسية والاقتصادية.

ولا تكمن الخطورة فقط في حجب المعلومة، بل في "تسميم مصادر التفكير"، إذ ينمو هؤلاء الشباب وهم ينظرون بريبة وشك لكل ما يأتي من "الخارج"، معتبرين أي خطاب مدني أو حقوقي مجرد "غزو ثقافي" أو "حرب ناعمة"، حيث جعل هذا الانفصال عن الواقع العالمي، من الصعب على هذا الجيل استيعاب مفاهيم مثل الديمقراطية، وحقوق الإنسان، أو حتى التطور التقني بمعزل عن التوظيف العسكري، والنتيجة هي نشوء جيل مغترب زمنياً ومعرفياً، يمتلك أدوات العصر الحديث (كالهواتف الذكية) لكنه يستخدمها بعقلية منغلقة تعود للقرون الوسطى، مما يعمق الفجوة بينه وبين بقية أقرانه في اليمن والعالم، ويجعل من عملية "التحرير الفكري" مستقبلاً معركة شاقة تتطلب هدم جدران افتراضية ونفسية شاهقة شيدتها المليشيا بعناية.

التمرد الصامت
ويرى متابعون أنه ورغم الماكنة الإعلامية والتربوية الهائلة التي سخرتها المليشيا الحوثية، إلا أن هناك تساؤلاً جوهرياً يفرض نفسه: هل نجحت حقاً في "تأميم" عقول كل هؤلاء الشباب؟ فالواقع يشير إلى وجود حالة من "الانفصام الوجودي" أو التمرد الصامت الذي ينمو في الخفاء. ففي الشارع والساحات، يرتدي الكثيرون قناع الولاء ويصرخون بالشعارات اتقاءً لبطش "المشرف" أو تأميناً للقمة العيش، لكن خلف الأبواب المغلقة، وفي أحاديث الأصدقاء الموثوقين، تبرز ملامح جيل يرفض أن يُسجن في "ملازم" الأيديولوجيا.

يظل البيت اليمني هو "الحصن الأخير" للجمهورية؛ فكثير من الآباء والأمهات الذين عاصروا الدولة والحرية يمارسون دوراً بطولياً في تلقين أبنائهم قيم المواطنة والاعتزاز بتاريخ اليمن الحقيقي (ثورة 26 سبتمبر)، بعيداً عن الرواية السلالية المشوهة.

هذا الجيل وإن بدا "مقولباً" في الظاهر، إلا أنه يراقب العالم عبر ثقوب الرقابة الرقمية، ويقارن بين بؤس واقع "المسيرة" وبين الرفاهية والفرص التي يتمتع بها أقرانه في الخارج، مما ولد بركاناً من السخط المكتوم ضد واقعٍ يُصادر حقهم في الحياة مقابل تمجيد الموت، ففشل المليشيا في "قولبة" الجميع يعني أن هناك "يمنيين مدفونين" تحت ركام القمع، ينتظرون لحظة الخلاص لاستعادة هويتهم المختطفة.

هذا التمرد الصامت هو الدليل الأكبر على أن الأيديولوجيا القسرية، مهما بلغت سطوتها، لا يمكنها أن تقتل غريزة الحرية والتطلع لحياة طبيعية في عقل إنسان يرى مستقبله يُسرق أمام عينيه كل يوم تحت لافتات غيبية لا تسمن ولا تغني من جوع.

وتظل معركة "صناعة الإنسان" هي الجبهة الأكثر شراسة وتعقيداً في المشهد اليمني؛ فبينما يسهل ردم الخنادق وإعادة إعمار ما دمرته المدافع، تظل "الألغام الفكرية" التي زُرعت في عقول هذا الجيل بحاجة إلى إستراتيجية وطنية شاملة تبدأ من استعادة وعي الفرد وتطهير المناهج، فالجميع لا يواجه مجرد مليشيا مسلحة، بل مشروعاً يسعى لـ"تدجين" جيلٍ كاملٍ بمعايير أيديولوجية غريبة عن هوية اليمن الجمهورية وتاريخه التعددي، فهؤلاء الشباب هم الضحايا الحقيقيون لسنوات العزلة والتعبئة، وأي تسوية سياسية تتجاهل حجم "التجريف الثقافي" الذي تعرضوا له ستكون مجرد تسكين مؤقت للألم، فاليمن لن يستعيد عافيته الحقيقية إلا حين يتحول "المقاتل" إلى "بناء"، وحين يدرك هذا الجيل أن مستقبله لا يُصاغ بالشعارات المستوردة، بل بالعلم والانتماء لوطن يتسع للجميع، فهي صرخة لإنقاذ الوجدان اليمني قبل أن يتحول الانقسام الفكري إلى قدرٍ دائم يمزق النسيج الاجتماعي إلى الأبد.